هذا ، والأخذ في عقائده بالظنّ ينصب عقله على متابعة الظنون ، والقانع بأنّ آباءه كانوا على مثل عقيدته فأولى به أن يكون عليها ، يلتقي مع سابقه في مضارب الوهم وفِجاج [ 1 ] الظنّ ، وأُولئك المتّبعون للظنّ القانعون بالتقليد تقف بهم عقولهم عندما تعوّدت إدراكه ، فلا يذهبون مذاهب الفكر ، ولا يسلكون طرائق النظر ، وإذا استمرّ بهم ذلك تغشّتهم الغباوة بالتدريج ، ثمّ تكاثفت عليهم البلاهة حتّى تعطّل عقولهم عن أداء وظائفها العقليّة بالمرّة ، فيدركها العجز عن تمييز الخير من الشرّ ، فيحيط بهم الشقاء ، ويتعثّر بهم البخت ، وبئس المآل مآلهم . فإن كان لابدّ من الاستئناس لما نقول بقول أُوربي ، فهذا « كيزو » الفرنسي صاحب تاريخ « سيفيليزاسيون » - أي التمدّن الأوروبي - قال : إنّ من أشدّ الأسباب أثراً في سَوق أُوربا إلى تمدّنها ظهور طائفة في تلك البلاد ، قالت : إنّ لنا حقّاً في البحث عن أُصول عقائدنا وطلب البرهان عليها ، ولو كان ديننا هو الدين المسيحي ، وعارضها كثير من رؤساء الدين ، ومنعوها ما ادعت من الحق ، محتجّين عليها بأنّ بناء الدين على التقليد ، فلمّا أخذت تلك الطائفة قوّتها ، وانتشرت أفكارها ، نصلت [ 2 ] عقول الأُوربيّين من علّة الغباوة والبلاهة ، ثمّ تحرّكت في مداراتها الفكريّة ، وتردّدت في المجالات العلميّة ، وكدحت لاستحصال أسباب المدنيّة . إنّ الدين الإسلامي يكاد يكون متفرّداً من بين الأديان بتقريع المعتقدين بلا دليل ، وتوبيخ المتّبعين للظنون ، وتبكيت الخابطين في عشواء العماية والقدح في سيرتهم ، هذا الدين يطالب المتديّنين أن يأخذوا بالبرهان في أُصول دينهم ، وكلما خاطب خاطب العقل ، وكلّما حاكم حاكم إلى العقل ، تنطق نصوصه بأنّ السعادة من نتائج العقل والبصيرة ، وأنّ الشقاء والضلالة من لواحق الغفلة ، وإهمال العقل وانطفاء نور البصيرة ، وبرفع أركان الحجّة لأُصول من العقائد ؛ كلٍّ منها ينفع العامّة ويفيد الخاصّة ، وكلّما جاء بحكم شرعي أتبعه ببيان الغاية منه في الأغلب ، راجع القرآن الشريف .
هامش
[ 1 ] الفَجّ جمعه فِجاج : الطريق الواسع بين جبلين .
[ 2 ] خرجت .