تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 188

مساهمون:

ص١٨٨
وانتظام الرقْش فيها ، فينخدع لهم بما يلتبس عليه من أمرهم فيُصغي لزخرف قولهم ، ويظنّ أن هؤلاء القوم من طلّاب التمدّن والأعوان على الاصلاح ، أو من الراغبين في بثّ المعارف ، أو المنقّبين عن الحقائق ، أو يتخيّل أنّ منهم من يكون عوناً عند الضيق ، أو عوناً في الشدّة ، أو مخزناً للأسرار عند الحاجة ، فذلك المغرور بمظاهر هذه الطائفة لا محالة يُبكى عليه ، ويُضحك منه ، فالضحك عجباً من غروره ، والبكاء حزناً على ضلاله . فتبيّن ممّا قرّرناه : أنّ الدين وإن انحطّت درجته بين الأديان ، ووهى أساسه ، فهو أفضل من طريقة الدّهريّين ، وأمسّ بالمدنيّة ، ونظام الجمعيّة الإنسانيّة ، وأجمل أثراً في عقد روابط المعاملات ، بل في كلّ شأن يفيد المجتمع الإنسانيّ ، وفي كلّ ترقٍّ بشريّ إلى أيّة درجة من درجات السعادة في هذه الحياة الأُولى . ولمّا كان نظام الأكوان ، قد بُني على أساس الحكمة ، ونظام العالم الإنسانيّ جزء من النظام الكوني ، ألهم اللَّه نفوس البشر أن تفزع إلى مقاومة أولئك المفسدين « الدهريّين » في أيّ زمان ظهروا ، ومدافعة ما يعرض من شرّهم ، كما ألهمهم الفزع من الحيوانات المفترسة ، والنفرة من الأغذية السامّة ، وأنهض حُفّاظ النظام المدنيّ الحقيقي - وهو الدين - لبذل الجهد ، وإفراغ الوسع في محو آثارهم ، واستئصال ما يغرسون من [ 1 ] تعاليمهم . لا جَرَمَ أنّ مزاج الإنسان الكبير - يعني عموم النوع - بما أودع اللَّه فيه من الشعور الفطري - وهو أثر الحكمة الإلهيّة العامّة - يمجّ هؤلاء الخَوَنة ، ولا يحتمل وجودهم في باطنه ، فيدفعهم كما تُدفع الفضلات من المعدة ، أو الذُّنانة [ 2 ] من المنخر ، أو النخامة من الصدر . لهذا تراهم ، وإن حَلُّوا بعض منازل الأرض من زمان بعيد ، وأيّدهم بعض النفوس الخبيثة من ذوي الشوكة لأغراض سافلة ، إلّا أنّهم لم يثبتوا ، ولم يتمّ لهم أمر ، بل كان عارض السوء منهم كسحاب الصيف ، كلّما ظهر تقشّع ،
هامش
[ 1 ] في الأصل : « في » . [ 2 ] ذنّ المخاط : سال ، الذُّنان : المخاط .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 188 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده