تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 185

مساهمون:

ص١٨٥
فمناط الحدّ إحدى البسطتين ، وإن حُفّت بالمظالم ، وأُحيطت باللوائم ، ولهذا تنبعث نفوس كثير من الناس للوصول إلى هذه المظاهر ، فيطلبون الغنى والثروة والجاه والعظمة ، ولو كان ذلك من وجوه الغدر ، وطرق الحَيْف والظلم ؛ لينالوا بذلك حظّهم من اللذائذ البدنيّة ، كما يُصيبون سهمهم من المدائح على ألسنة أولئك المدلّسين ، وليس بكثير في الناس طلّاب المحمدة الحقّة ، اللّاقطون لدرر المدائح من باحات الفضائل ، وساحات المكارم ، المرتادون للحمد بين حدود الحقّ ، وأُولئك الحافظون لشرف النفس ، وقليل ما هم . فلم تبقَ ريبة في قصور هذه الخَلّة - أعني شرف النفس - عن الكفاية في تعديل الأخلاق ، وتحديد الشهوات ، وحجْب العدوان ، وحفظ النظام الإنسانيّ ، اللّهمّ إلّاأن تكون مستندة إلى عقيدة في دين ، وتكون حقيقتها محدودة في ذلك الدين ، فعند ذلك تكون دعامة لبناء الشركة الإنسانيّة ، ومعقداً لروابط الأُلفة ، وسبباً لانتظام سلسلة المعاملات ؛ لاستنادها على الدين ، لا بنفسها مجرّدة ، كما مرّت الإشارة إليه في صفة الحياء . 3 - الحكومة : ليس بخافٍ أنّ قوّة الحكومة إنّما تأتي على كفّ العدوان الظاهر ، ورفع الظلم البيّن ، أمّا الاختلاس ، والزور المموّه ، والباطل المزيّن ، والفساد الملوّن بصبغ من الصلاح ، ونحو ذلك ممّا يرتكبه أرباب الشهوات ، فمن أين للحكومة أن تستطيع دفعه ، وأن يكون لها الاطّلاع على خفيّات الحيل ، وكامنات الدسائس ، ومطويّات الخيانة ، ومستورات الغدر ؛ حتّى تقوم بدفع ضرره ؟ ! على أنّ الحاكم وأعوانه قد يكونون - بل كثيراً ما كانوا - ممّن تملكهم الشهوات ، فأيّ وازع يأخذ على أيدي أصحاب السلطة ، ويمنعهم من مطاوعة شهواتهم المتسلّطة على عقولهم ؟ وأيّ غوث ينقذ ضعفاء الرعايا وذوي المسكنة منهم ، من شرّ أُولئك المتسلّطين وحرصهم ؟ لا جرم قد يكون الحاكم في خفيّ أمره - رئيس السارقين ، وفي جليّ حاله