تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 187

مساهمون:

ص١٨٧
ولئن وجد في أحد الجاحدين شيء من مكارم الأخلاق بمقتضى الغريزة لكان عرضه للفساد ، أو كان أبتر ناقصاً ، لفقد ما يمدّه من سائر صفات الكمال . وقد تبيّن : أنّ أوّل تعاليم النيتشرييّن « الدهريّين » إبطال هذين الاعتقادين : الاعتقاد باللَّه ، والاعتقاد بالحياة الأبديّة ، وهما أساس كلّ دين ، وآخر تعاليمهم الإباحة والاشتراك ، فهؤلاء القوم هم الساعون في نسف بناء الإنسانيّة ، وتذريته في ذيول السافيات [ 1 ] ، يطلبون ضعضعة أركان المدنيّة ، وفساد الأخلاق البشريّة ، ويقوضون بذلك ما رفعه العلم ، وشادته المعرفة ، فيهلكون الأمم بإطفاء حرارة الغيرة ، وإخماد ريح الحميّة . هؤلاء جراثيم اللؤم والخيانة ، وأرومات الرذالة والدناءة ، وأحلاس [ 2 ] الخسّة والنذالة ، وأعلام الكذب والافتراء ، ودعاة الحيوانيّة العجماء ، محبّتهم كيد ، وصحبتهم صيد ، وتودّدهم مكر ، ومواصلتهم غدر ، وصداقتهم خيانة ، ودعواهم للإنسانيّة حِبالة [ 3 ] ، ودعوتهم للعلوم شرك ومكيدة . يخونون الأمانة ، ولا يحفظون السرّ ، ويبيعون ألصق الناس بهم ، بأدنى مشتهياتهم . عبيد البطون ، وأُسراء الشهوات ، لا يستنكفون من الدنيّة ، إذا أعقبتها عطيّة ، ولا يخجلون من الفضيحة ، إذا تبعتها رضيخة [ 4 ] ، لا علم عندهم بالوقار ، ولا إحساس لهم بالعار ، ولم يبلغهم عن شرف النفس خبر مخبر ، ولا وصل إليهم عن الهمّة عبارة معبّر ، أو تفسير مفسّر ، الابن فيهم لا يأمن أباه ، والبنت لا أمان لها من كليهما . نعم ، أيّ حدّ تقف دونه حركات طبع « الطبيعيّين » ؟ قد يوجد بين الناس من تغرّه نعومة لمس هذه الأفاعي ، وتروقه رَقْطة جلودها ،
هامش
[ 1 ] سَفَتِ الريحُ الترابَ : ذرّته أو حملته ، فهي سافية ، وجمعها : سافيات وسوافٍ . [ 2 ] حِلْس جمعه أحلاس : الملازم الذي لا يبرح ، كأنّهم لا يصلحون إلّا للخسّة والنذالة . [ 3 ] الحِبالة : المصيدة . [ 4 ] الرَّضيخة : العطيّة القليلة ، ومثلها الرَّضاخة ، ورضخ : أعطى قليلًا .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 187 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده