قائد الناهبين ، وأعوانه آلات يستعملها في الجور ، وأدوات يستعين بها على الفساد والشرّ ، فيعطّلون من حقوق عباد اللَّه ، ويهتكون من أعراضهم ، ويغنمون من أموالهم ، يروون ظمأ شهواتهم بدماء الضعفاء ، وينقشون قصورهم بمُهَج الفقراء ، وبالجملة : يكون مبلغ سعيهم هلاك العباد ، ودمار البلاد . 4 - الاعتقاد بالأُلوهيّة : فإذن لم يبقَ للشهوة قامع ، ولا للأهواء رادع ، إلّا الأمر الرابع ؛ أعني الإيمان بأنّ للعالم صانعاً ، عالماً بمضمرات القلوب ، ومطويّات الأنفس ، سامي القدرة ، واسع الحول والقوة ، مع الاعتقاد بأنّه قدّر للخير والشرّ جزاء يوفاه مستحقّه في حياة بعد هذه الحياة . وفي الحقّ أنّ هاتين العقيدتين وازعان قويّان يكبحان النفس عن الشهوات ، ويمنعانها عن العدوان ظاهره وخفيّه ، وحاسمان صارمان يمحوان أثر الغدر ، ويستأصلان مادّة التدليس ، وهما أفضل وسيلة لإحقاق الحقّ والتوقيف عند الحدّ ، وهما مجلبة الأمن ، ومتنسّم الراحة ، وبدون هذين الاعتقادين ، لا تقرّر هيئة للاجتماع الإنساني ، ولا تلبس المدنيّة سربال الحياة ، ولا يستقيم نظام المعاملات ، ولا تصفو صلات البشر ، من شائبات الغِلّ ، وكدورات الغشّ . فلو خويت القلوب من هاتين العقيدتين ، لسكنتها شياطين الرذائل ، وسدّت عليها طرق الفضائل ، ومن أين لمنكر الجزاء أن يكفّ نفسه عن خيانة ، أو يترفّع بها عن كذب ، وغدر ، وتملّق ، ونفاق ؟ ! وقد تقرّر : أنّ العلّة الغائيّة لأعمال الإنسان ، إنّما هي نفسه - كما سبق - فإن لم يؤمن بثواب وعقاب ، وحساب وعتاب ، في يوم بعد يومه ، فما الذي يمنعه عن ذمائم الفعال ، خصوصاً إذا تمكّن من إخفاء عمله ، وأمن من سوء عاقبته في الدنيا ، أو رأى منفعته الحاضرة في ركوب طريق الرذيلة ، والعدول عن سنن الفضيلة ، وأيّ حامل يحمله على المعاونة والمرادفة ، والمرحمة والمروءة ، وعلوّ الهمّة ، وما يشبه ذلك من الأخلاق التي لا غنى للهيئة الاجتماعيّة عنها ؟ !
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 186
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٨٦