تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
إلى سواه ؛ لا خُفْية ، ولا جهرة ، لكن حيث كان الباعث على التجمّل بهذا الوصف إنّما هو الرغبة في تحسين المعيشة ، والفرار من مضانكها [ 1 ] ، فقلّما يستوي ظاهر الإنسان وباطنه في هذه الصفة ، فهو في معلنات أُموره يسلك سبل الشرف ؛ لينال حظّه من ميل القلوب إليه ، ثمّ لا يمنعه ذلك من غشيان الخيانة الخفيّة ، وغمس يده في قذر العدوان من وراء حجاب التستّر ، وبسط كفّه لتناول الرشوة في زوايا المحاكم ؛ لأنّ طالب خفض العيش يعرف أنّ هذه الخبائث الخفيّة ، تصل به إلى مقصده من السعة على أمن من الاشتهار بصفة الدناءة ، وذلك معروف من أحوال المذاعين الظاهرين في ثياب الشرف والعفّة ، واللَّه أعلم ماذا يسترون تحت ذيولهم ، وما يضمرون دون جيوبهم ، وما يختزنون من الأموالِ في زوايا بيوتهم . فإذن لا يليق بذي عقل أن يجعل شرف النفس ميزاناً للعدل ، ولا مكانَ للظنّ بأنّ هذه الصفة تقف بكلٍّ عند حدّه ، وترضيه بحقّه ، وتكفّ النفوس عن غصب الحقوق ، وتدفعها عن الجور ، وتمنعها عن الحيْف ما ظهر منه وما بطن . فإن قال قائل : إنّ حبّ المحمدة ممّا أُشربتْه قلوب البشر ، وهو باعث على الإستمساك بشرف النفس لما يستعقبه من حُسن الحمد ، فكلّ ذي فِطْرة إنسانيّة يسعى لكسب المحمدة ، لابدّ له أن يطلب الغاية من خَلّة الشرف النفسي ، وينزّه نفسه عن جميع الرذائل ، ويرفعها عن معاطاة الدنايا والخسائس ، ويبتعد بها عن مخالج الحيف والعدوان ، فنقول في جوابه : أوّلًا : إذا تعارض موجب المدح والثناء ، ومقتضى الشهوات البدنيّة ، فقليل من الناس من يختار الأوّل على الثاني ، والجمهور الأغلب مغلوب للشهوة ، مأسور للّذّة ، والنظر في طبقات الناس وأحوالهم على اختلافهم يثبت لنا ذلك . ثانياً : أنّ صاغة المدائح ، ونساج المحامد ، صنف من الناس أشباه إنسان ، وأسناخ حيوان ، أُولئك المعروفون بالمؤرّخين والشعراء الكاذبين ، ولا باعث لهؤلاء على نثر المحامد ونظم القصائد ، إلّا نضارة الثَّرْوة في الممدوحين ، ورونق الجاه والجلالة في المحمودين ؛ من غير نظر إلى مناشئى الجاه ، ولا موارد الثروة .
هامش
[ 1 ] عيشة ضَنْك : ضيّقة .