تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
كان هذا حاله ، سُدّت عليه أبواب الرزق واكتنفته غائلات الفاقة ، فيكون ميل الإنسان إلى شرف النفس ، ودرجته من القوّة والضعف ، وتمكّنه من نفسه ، وعدم تمكّنه ، ومراتب أثره في كبح الشهوات وردّها عند تخوم العدالة ، إنّما هو على حسب أحوال الطبقات في معائشهم ؛ بمعنى أنّ كلّ طبقة من الناس تطلب من تلك الصفة ما ينفعها في معيشتها ، ويحفظها من طارقة السوء ، بل لا ترى كلّ طبقة أنّ شيئاً يُعدّ من الشرف ، إلّاتلك الصفة التي تحفظ بها المنزلة ، وتصان بها موادّ المعيشة ، وما زاد على ذلك فلا يعدّ فقدانه نقصاً ، ولا الخُلُوّ عنه انحطاطاً ، فلا تسعى لاستحصاله ، وإن عدّه قوم آخرون من جوهر الشرف ، ومن مقوّمات الكمال . وإنّ لنا عبرة في أغلب السلاطين والأُمراء ، فإنّهم مع أخذهم بمذاهب الشرف ، لا يبالون بنقض العهود ، وخَفْر الذِّمم [ 1 ] ، خصوصاً مع من دونهم في السلطان ، ومن لا يضارعهم في القوّة ، ولا يأنفون الظلم ، ولا ينكرون الغدر ، ولا يتجافون مذمّة من تلك المذامّ ، ولا يعدّون شيئاً منها خسّة ، ولا يحسبونه من غاشيات الدناءة ، مع أنّ واحداً من هذه الفعال ، لو صدر من آحاد الرعيّة - بعضهم مع بعض - لعُدّ من دنيّات الفعال ، ورُمي فاعله بخسّة النفس وسقوطها عن مراتب الشرف . ومن هذا الوجه كان الخلل يعرض لنظام المعيشة ؛ حيث إنّ سائر الطبقات لا ينظرون إلى ما يصدر عن أمرائهم ورؤسائهم نظرهم إلى ما يصدر عن آحادهم ، فهم يذهبون مذهب التأويل في أعمال الرؤساء والكبراء . وهكذا حال الطبقات العالية بالنسبة لما دونها - طبقة بعد طبقة - أي إنّ كلّ طبقة عالية تزعم نفسها مصونة من المثالب ، محفوظة من الشنائع ، ومنزلتها ممّن دونها تَحمِل الأدنين على الإقرار لها بما تزعم . فلو كان قوام النظام في العالم الإنسانيّ بشرف النفس ، لانطلقت أيدي العدوان من الطبقات الرفيعة فيما دونها ، وتفتّحت أبواب الشرّ والفساد في وجه هذا النوع الضعيف . هذا كلّه إذا فرضنا وقوف كلّ طالب لشرف النفس عندما يظنّه شرفاً ، لا يخالفه
هامش
[ 1 ] خفر الذمم : نقص العهود .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 183 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده