تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
2 - شرف النفس : أمّا الثاني : فتقدّم الكلام فيه ببيان شرف النفس ، فهي صفة تنكب بصاحبها عن إتيان ما يذمّ عند قبيلته ، وغشيان ما يقبح في نظر عشيرته ، وتقابلها خسّة النفس ، وهي صفة لا يتأثّر معها صاحبها من التشنيع ، ولا تنفعل نفسه من التقبيح . فتلك الصفة - أعني شرف النفس - ليست لها حقيقة معيّنة ، ولاهي في حدود معروفة عند جميع الأُمم حتى يمكنهم - بالمحافظة عليها - أن يقفوا بالشهوات عند حدّ الاعتدال . ألا ترى أنّ كثيراً من الأُمور ، يعد ارتكابه عند بعض الأُمم خسّة ودناءة ، وهو بعينه عند بعض آخر شرف ورفعة يستتبع المدح والثناء ، على أنه في الحقيقة شرّ الشرور وأعظم الفجور . تبيّنْ ذلك من حال سُكّان البادية وأهل الجبال من القبائل المتبدّية ، فإنّهم يعُدّون الغارة والفتك بالأرواح ، وانتهاب الأموال ، واسترقاق الأحرار من فعال المجد ، وبلوغ الغاية منها بلوغ إلى نهاية الشرف ، وهذه الفعال بعينها ، يعدّها سكان المدن وأهل الحضارة ، من لواحق الدناءة ، وعلائم خسّة النفس ، وكذلك الحيلة والمكر يحسبهما قوم خِسّة وخُبثاً ، ويحسبهما آخرون حكمة وعقلًا . * * * وإذا أمعنت النظر في المسألة ، وجدت أنّ لكلّ كائن في عالم الإمكان علّة غائيّة ، والعلّة الغائيّة لأعمال الإنسان إنّما هي نفسه ، فهو لا يطلب شرف النفس ، ولا يسعى للتجمّل به ، إلّا لطمعه في توفير رزقه ، وتوسيع سبل معيشته ، وخوفه من ضيق مسالك العيش عليه ، فإنّه يعلم أنّ شرف النفس يردّ إلى صاحبه شوارد القلوب ، ويجعله مكان ثقتها ، ويظهره في بهاء الصدق والأمانة ، فيعظم الركون إليه ، وتكثر أعوانه ، وفي ذلك توفّر أسباب المعيشة ، واتّساع طرقها . بخلاف من تلتاث نفسه بالخِسّة ، فذلك مقذوف القلوب ، منبوذ الطباع ، لا ينبسط إليه النظر ، ولا يحوم عليه الخاطر ، فهو قليل الأعوان ، عديم الإخوان ، ومن