تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 181

مساهمون:

ص١٨١
هواه ، ولا كسر سورة نفسه ، إلّا بنيل ما يمكنه من تلك المشتهيات ، كأنه يعالج ألم الطلب بما يصل إليه من المطلوب ، ولم تحدّد الطبيعة طريقاً معيّنة يسلكها الراغبون للوصول إلى رغائبهم : فسبيل حقّ ، وسبيل باطل ، وسبيل الفتنة والفساد ، وسبيل الهدى والرشاد ، وسبيل سفك الدماء ، واغتصاب الحقوق ، وسبيل الإجمال والتعفّف ، وكلّها ميسّر للطالب غير ممتنع على السالك . فقصر النفوس على طريقة محدودة وتوقيف أهوائها عند حدود معيّنة ، ومنعها من تجاوز حدّ الاعتدال في آثارها وأعمالها ، وإرضاء كلّ ذي شهوة بحقّه ، وكفّه عن الاعتداء والإجحاف بحقوق غيره ، هذا كلّه إنّما يكون بأحد أمور أَربعة : 1 - إمّا أن يحمل كلّ ذي حقّ آلة حربه ، فيخترط سيفه ، ويعتقل رمحه ، ويرفع ترسه ، ويقوم ليله ونهاره ، يقدّم إحدى رجليه ، ويؤخّر الأُخرى ، دفاعاً عن حقّه . 2 - وإمّا شرف النفس ، كما يزعمه أرباب الأهواء . 3 - وإمّا الحكومة . 4 - وإمّا الاعتقاد بأنّ لهذا العالم صانعاً قادراً ، محيط العلم ، نافذ الحكم ، وأنّه يوفي كلّ عامل جزاء عمله ، ( مَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ، وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهْ ) ؛ [ 1 ] ثواباً جزيلًا ، أو عقاباً وبيلًا ، في حياة بعد هذه الحياة . 1 - المدافعة الشخصيّة : أمّا الأوّل : فبراز وضراب ، ونضال وقتال ، وجلاد تسيل به الأودية مُهَجاً ، وتخضلّ به الرُّبى دماً ، وتتفانى به النفوس طلباً للحقوق أو دفاعاً عنها ، وتكون الدائرة للأقوياء على الضعفاء ، حتى إذا قوي الضعفاء يوماً مّا ثاروا على الأقوياء ، فلا يزال صاحب القوّة يطحن الضعيف ، والأقران يسحق بعضهم بعضاً ، إلى أن يعمّ جميعهم الفناء ، وينقرض النوع الإنسانّي من وجه البسيطة .
هامش
[ 1 ] سورة الزلزلة : 7 - 8 .