تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 176

مساهمون:

ص١٧٦
في الحرب الأخيرة بينها وبين الروسية ، كانوا يذهبون مذهب النيتشريّن « الدهريّين » ، وبذلك كانوا يعدّون أنفسهم من أرباب الافكار الجديدة « أبناء العصر الجديد » . زعموا - بما كسبوا من أوهام الدهريّين - : أنّ الإنسان حيوان كالحيوانات ، لا يختلف عنها في أحكامها ، وهذه الأخلاق والسجايا - التي عدّوها فضائل - تخالف بجميعها سنن الطبيعة المطلقة الناتور ، وإنما وضعها تحكّم العقل ، وزادها تطرّف الفكر . فعلى من بصر بالحقيقة - على زعم أولئك المارقين - أن يستنهج كلّ طريق إلى تحصيل شهواته ، واستيفاء لذّاته ، ولا يأخذ نفسه بالحرمان من ملاذّه ، وقوفاً عند خرافات القيود الواهنة ، والموضوعات الإنسانيّة الواهية . وحيث إنّ الفناء حتم على الأحياء ، فما هو الشرف والحياء ؟ ! وما هي الأمانة ، والصدق ؟ ! وأيّ شيء هو العفّة والاستقامة . . ؟ ! ولهذا خان أولئك الأُمراء ملّتهم مع ما كان لهم من الرتب الجليلة ، ورضوا بالدنيّة ، واستناموا إلى الخِسّة ، ونسفوا بيت الشرف العثماني في تلك الحرب وجلبوا المذلّة على شعوبهم بعرض من الحُطام قليل . السوسياليست « الاجتماعيّون » والنهيليست « العدميّون » والكمونيست « الشيوعيّون » هذه الطوائف تتّفق في سلوك هذه الطريقة « الدهريّة » ، زيّنوا ظواهرهم بدعوى أنّهم سند الضعفاء ، والمطالبون بحقوق المساكين والفقراء ، وكلّ طائفة منها ، وإن لوّنت وجه مقصدها بما يوهم مخالفته لمقصد الأُخرى ، إلّاأنّ غاية ما يطلبون إنّما هو رفع الامتيازات الإنسانيّة كافّة ، وإباحة الكلّ للكلّ ، واشتراك الكلّ في الكلّ .