تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 177

مساهمون:

ص١٧٧
وكم سفكوا من دماء ، وكم هدموا من بناء ، وكم خرّبوا من عمران ، وكم أثاروا من فتن ، وكم أنهروا من فساد ، كلّ ذلك سعياً في الوصول إلى هذه المطالب الخبيثة ، وجميعهم على اتّفاق في أنّ جميع المشتهيات الموجودة على سطح الأرض منحة من الطبيعة وفيض من فيوضها ، والأحياء في التمتّع بها سواء ، واختصاص فرد من الإنسان بشيء منها دون سائر الأفراد ، بدعة في شرع الطبيعة سيّئة ، يجب محوها والإراحة منها . ومن مزاعمهم : أنّ الدين والملك عقبتان عظيمتان ، وسدّان منيعان ، يعتبرضان بين أبناء الطبيعة ، ونشر شريعتها المقدّسة : الإباحة والاشتراك ، وليس من مانع أشدّ منهما ، فإذن من الواجب على طلّاب الحقّ الطبيعي ، أن ينقضوا هذين الأساسين ، ويُبيدوا الملوك وروساء الأديان . ثمّ يعمدون إلى الملّاك وأهل السعة في الرزق ، فان دانوا لشرع الطبيعة ، فخرجوا عن الاختصاص ، فتلك ، وإلّا أخذوا بأعناقهم قتلًا ، وبأكظامهم [ 1 ] خنقاً ؛ حتّى يعتبر بهم من يكون من أمثالهم ، فلا يلوون رؤوسهم كبراً على الشريعة المقدّسة - شريعة الطبيعة - ولا تَزْورّ أعناقهم عصياناً لأحكامها . نظر أبناء هذه الطوائف في وجوه الوسائل لبثّ أفكارهم ، والإفضاء بما في أوهامهم إلى قلوب العامّة ، فلم يجدوا وسيلة أنجح في زرع بذور الفساد في النفوس ، من وسيلة التعليم ؛ إما بإنشاء المدارس تحت ستار نشر المعارف ، أو بالدخول في سلك المعلّمين في مدارس غيرهم ؛ ليقرّروا أُصولهم في أذهان الأطفال ، وهم في طور السذاجة ، فتنتقش بها مداركهم بالتدريج . فمن أُولئك الدهريّين من همّه بناء المدارس ، ودعوة الناس إليها ، ومنهم متفرّقون في بلاد أوروبا ، يطلبون وظائف التعليم ، وينالون من ذلك طلبتهم ، وجميعهم يتعاونون على إذاعة خيالاتهم الباطلة ، وبهذا كثرت أحزابهم ، ونمت شيعتهم في أقطار الممالك الأُوروبيّة ، خصوصاً مملكة الروسية .
هامش
[ 1 ] الكَظَم جمعهُ أكظام وكِظام : مخرج النَّفَس .