تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 174

مساهمون:

ص١٧٤
الشعب الفرنسيالشعب الفرنسي شعب كان قد تفرّد بين الشعوب الاوربيّة بإحراز النصيب الأوفر من الأُصول الستّة ، فرفع منار العلم ، وجبر كسر الصناعة في قطعة أوروبا بعد الرومانيّين ، وصار بذلك مشرقاً للتمدّن في سائر الممالك الغربيّة . وبما أحرز الفرنسيّون من تلك الأُصول ، كانت لهم الكلمة النافذة في دول الغرب إلى القرن الثامن عشر من الميلاد المسيحي ، حتّى ظهر فيهم « فولتير » و « روسو » يزعمان حماية العدل ، ومغالبة الظلم ، والقيام بإنارة الافكار ، وهداية العقول ، فنبشا قبر أبيقور الكلبي ، وأحييا ما بلي من عظام « الناتوراليسم » الدهريين ، ونبذا كلّ تكليف ديني ، وغرسا بذور الإباحة والاشتراك ، وزعما أنّ الآداب الإلهيّة جعليّات خرافيّة ، كما زعما أنّ الأديان مخترعات أحدثها نقص العقل الإنساني ، وجهر كلاهما بإنكار الالوهيّة ، ورفع كلّ عقيرته بالتشنيع على الأنبياء - برّأهم اللَّه ممّا قالا - وكثيراً ما ألّف « فولتير » من الكتب في تخطئة الأنبياء والسخريّة بهم ، والقدح في أنسابهم ، وعيب ما جاؤوا به ، فأخذت هذه الأباطيل من نفوس الفرنسيّين ، ونالت من عقولهم ، فنبذوا الديانة العيسويّة ، ونفضوا منها أيديهم . وبعد أن أغلقوا أبوابها ، فتحوا على أنفسهم أبواب الشريعة المقدّسة « في زعمهم » شريعة « الطبيعة » ، وزاد بهم الهوس في بعض أيّامهم حتى حمل لفيفاً من عامّتهم ، أن يتناولوا بنتاً من ذوات الجمال فيهم ، ويحملوها إلى محراب الكنيسة ، ففعلوا ، ونادى زعيم القوم : أيّها الناس لا يأخذكم الفزع بعد اليوم من هدهدة الرعد ، ولا إلتماع البرق ، ولا تظنّوا شيئاً من ذلك تهديداً لكم من إله السماء ، يرسله عليكم ليعظكم به ، ويزعجكم عن مخالفته . . . كلّا فهذه كلّها آثار الطبيعة « الناتور » ، ولا مؤثّر في الوجود سوى « الناتور » ، فحلّوا عن أعناقكم قيود الأوهام ، ولا تقيموا لأنفسكم إلهاً من خواطر ظنونكم ، فإن كانت العبادة من رغائب شهواتكم ، فها هي ذي « مدموازيل » - أي العذراء - قائمة في المحراب على مثال الدمية ، فاسجدوا لها إن شئتم . . .