تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
وما نزل بالمسلمين شيء من هذه المذلّات والإهانات ، ولا رزئوا بالتخريب في بلادهم ، والفناء في أرواحهم ، إلّابعد ما كلّت بصائرهم ونغلت نيّاتهم ، ومازج الدَّغَل قلوبهم ، وخربت أماناتهم ، وفشا الغشّ والإدهان [ 1 ] بينهم ، ودار كلّ منهم حول نفسه لا يعرف أُمّة ، ولا ينظر إلى ملّة ، وأصبحوا بقناة خوّارة ، بعد أن كانت قناتهم لا تلين لغامز ، إلّاأنّ بقيّة من تلك الأخلاق المحمّديّة ، كانت لم تزل راسخة في نفوس كثير منهم ، كامنة في طيّ ضمائرهم ، فهي التي أنهضتهم من كبوتهم ، وحملتهم على الجدّ في كشف السطوة الغريبة عن بلادهم ، فأجّلوا الأُمم الافرنجيّة بعد مئين من السنين ، وخلّصوا البلاد السورية من أيديهم ، وطوّقوا الجنكيزيين بطوق الإسلام ، وألبسوهم تيجان شرفه ، ولكنّهم لم يستطيعوا حسم داء الضعف ، وإعادة ما كان لهم من الشوكة إلى المقام الأوّل ، فإنّ ما كان من شوكة وقوّة إنّما هو أثر العقائد الحقّة ، والصفات المحمودة ، فلما خالط الفساد هذه وتلك تعسّر عود السهم إلى النزعة . ولهذا ذهب المؤرّخون إلى أنّ بداية الانحطاط في سلطة المسلمين كانت من حرب الصليب ، والأليق أن يقال : إنّ ابتداء ضعف المسلمين كان من يوم ظهور الآراء الباطلة والعقائد النيتشريّة « الدهريّة » في صورة الدين ، وسريان هذه السموم القاتلة في نفوس أهل الدين الإسلامي . وليس بخافٍ أنّ فئة ظهرت في الأيّام الأخيرة ببعض البلاد الشرقيّة ، وأراقت دماء غزيرة ، وفتكت بأرواح عزيزة ، تحت اسم لا يبعد عن أسماء من تقدّمها لمثل مشربها ، وانما التقطت شيئاً من نفايات ما ترك دهريّو « الموت » وطبيعيّو « كردكوه » وتعليمها نموذج تعليم أولئك الباطنيّين ، فعلينا أن ننظر ما يكون من آثار بدعها فيالأُمّة التي ظهرت بها .
هامش
[ 1 ] الادهان : هو الاستسلام .