تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 167

مساهمون:

ص١٦٧
والحياء قِحّة وتسفّلًا ، واستحالت شجاعتهم إلى الجبن ، ومحبّة جنسهم ووطنهم إلى المحبّة الشخصيّة . وبالجملة : فقد تهدّمت عليهم الأركان الستّة التي كان يقوم عليها بيت سعادتهم ، وانتقض أساس إنسانيّتهم ، ثمّ انتهى أمرهم بوقوعهم أسرى في أيدي الرومانيّين ، وكُبِّلوا في قيود العبوديّة زمناً طويلًا ، بعد ما كانوا يُعَدّون حكاماً في الأرض بلا معارض . الأُمّة الفارسيّةالأُمّة الفارسيّة بلغت فيها الأُصول الستّة ، أعلى مكانة من الكمال أحقاباً طويلة ، فكانت لها أُصول السعادة ، وموارد النعيم ، حتى بلغ اعتقاد الفارسيّين من الشرف لأنفسهم ، إلى حدّ أنهم كانوا يزعمون أنّ السعداء من غيرهم إنّما هم الداخلون في عهدهم ، المستظلّون بحمايتهم ، أو المجاورون لممالكهم . كان الصدق والأمانة أوّل التعليم الدينيّ عندهم ، ووصلوا في التحرّج من الكذب إلى حيث كانوا إذا بلغت الحاجة مبلغها من أحدهم ، لا يتقدّم للاقتراض ؛ خوف أن يضطرّه الدَّين إلى الكذب في مواعيد وفائه ، فارتفعوا بهذه الخصال إلى درجة من العزّة ، وبسطة الملك ، يلزم لبيانها كتاب مثل الشاهنامة [ 1 ] . قال المؤرخ الفرنسي « فرنسيس لونورمان » : إنّ مملكة فارس على عهد دارا الأكبر كانت إحدى وعشرين ايالة : واحدة منها تحتوي مصر وسواحل القلزم « البحر الأحمر » ، وبلوخستان ، والسند ، وكانوا إذا ألّم الضعف بسلطانهم في زمن من الأزمان ، بعثتهم تلك العقائد القويمة والصفات الكريمة على تلافي أمرهم ، فخلصوا ممّا ألّم بهم في قليل زمن ، ورجعوا إلى مكانتهم الأُولى ومجدهم الأعلى .
هامش
[ 1 ] الشاهنامة : هي الملحمة العظمى التي تشتمل على ستّين ألف بيت من الشعر الفارسي ، ألّفها الفردوسي ، الشاعر الفارسي الذي احتُفل بمرور ألف سنة على مولده في آسيا وآوروبا وأمريكا سنة 1934 من الميلاد .