الفصل الرابعالأُمم التي ظهر فيها الدهريّوناليونان : شعب « الكريك » - وهم اليونانيّون - كانوا قوماً قليلي العدد ، وبما أُلهموا أُورثوا من العقائد الثلاث ، خصوصاً عقيدة أنّ أُمّتهم أشرف الأُمم ، وبما أُودعوا من الصفات الثلاث - خصوصاً صفة الأنفة والإباء وهي عين الحياء - ثبتوا أحقاباً [ 1 ] في مقاومة الأُمة الفارسيّة ، وهي تلك الأُمة العظيمة ، التي كانت تمتدّ من نواحي « كشغر » إلى ضواحي « استانبول » ، ذلك فوق ما بلغوه من الدرجات العالية في العلوم الرفيعة . وقد حملهم الخوف من الذُّلّ ، والأنَفة من العبوديّة ، على الثبات في مواقف الأبطال ، بل رسخ بهم ذلك ولا رسوخ الجبال ؛ حذراً من الوقوع فيما لا يليق بأرباب الشرف ، وأبناء المجد ، حتّى آل بهم الأمر أن تغلّبوا على تلك الدولة العظيمة « دولة فارس » ، وهدموا أركانها ، ومدّوا أيديهم إلى الهند . وكانت صفة الأمانة قد بلغت من نفوسهم إلى حيث كانوا يرجّحون الموت على الخيانة ، كما تراه في قصّة « تيمستوكليس » [ 2 ] ، وهو قائد يونانيّ نبذه أبناء جِلْدته وطردوه ، وأرصدوا له القتل ، فاضطرّ إلى الفرار من أيديهم ، والتجأ إلى
هامش
[ 1 ] الأحقاب والأحقب جمع حُقُب : ثمانون سنة أو أكثر أو الدهر .
[ 2 ] هو من قوّاد اليونان ، ولد سنة 533 ( ق . م ) ، وتُوفّي سنة 465 ( ق . م ) ، هزم أُسطول الفرس في واقعة سلامين سنة 480 ( ق . م ) ، ثمّ غضب عليه أبناء جِلْدته ، ولكنّه لم يَخُنهم ، كما ترى .