تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
مزدك الدهري [ 1 ] ظهر فيهم « مزدك » الدهري على عهد « قباد » وانتحل لنفسه لقب « رافع الجور ودافع الظلم » ، وبنزعة من نزعاته ، قلع أُصول السعادة من أرض الفارسيّين ، ونسفها في الهواء وبدّدها في الأجواء ، فإنه بدأ تعاليمه بقوله : « جميع القوانين والحدود والآداب - التي وضعت بين الناس - قاضية بالجور ، مقرّرة للظلم ، وكلّها مبنيّ على الباطل ، وإنّ الشريعة الدهريّة المقدّسة لم تنسخ حتّى الآن ، وقد بقيت مصونة في حرزها عند الحيوانات والبهائم . . . » . أيّ عقل وأيّ فهم يصل إلى سرّ ما شرّعته « الطبيعة » ؟ ! وأيّ إدراك يحيط بمثل ما أحاط به ، وقد جعلت الطبيعة حقّ الماكل والمشرب والبضاع ، مشاعاً بين الآكلين والشاربين والمباضعين بدون أدنى تخصيص ، فما الحامل للإنسان على حرمان نفسه من بضاع بنته وأُمه وأُخته ، ثمّ تركهن لغيره يتمتّع بهنّ انقياداً لما يخيّله له الوهم ، ممّا نسمّيه شريعة وأدبا ؟ ! وأيّ حقّ يستند إليه من يدّعي ملكية خاصّة في مال يتصرّف فيه دون سواه ، مع أنه شائع بينه وبين غيره ؟ ! وأيّ وجه لمن يحجر على امرأة دخلت في عقده ، ويحظر على الناس نيلها ، وقد خُلق الذكر للأُنثى والأُنثى للذكر ؟ ! وماذا يوجد من العدل في قانون يحكم : بأنّ المال الشائع إذا تناولته يد مغتصب - بما يسمّونه بيعاً وشراءً أو إرثاً - يكون مختصّاً بذلك المغتصب ، ثمّ يحكم على الفقير المحروم - إذا احتال لأخذ شيء من حقّه والتمتّع به - بأنّه خائن أو غاصب ؟ !
هامش
[ 1 ] « مزدك » ، ظهر بعد « زرادشت » ، وكان ذلك في عهد « خسرو قباد » من ملوك فارس ، وزعم أنّ اللَّه بعثه ليأمر بشيوع النساء والأموال بين الناس كافّة ؛ لأنّهم كلّهم أُخوة وأولاد أب واحد ، وانقاد « قباد » إلى مذهب هذا المضلّل ، وأباح له أن يخلو بالملكة زوجته ، إلّا أنّ أبن « قباد » وهو « كسرى أنو شروان » حسم الأمر بقتل « مزدك » وأصحابه .