فإن كان هذا شأنه من النقص ، فليس من اللائق به أن يقذف بنفسه في ورطات المتاعب والمشاقّ عبثاً ، ومن الجهل أن يغترّ بهذه الحياة التي لا تمتاز عن حياة سائر الحيوانات ، بل ولا جميع النباتات ، وليس وراءها حياة أُخرى في عالم آخر ، بل أجدر به أن يُلقي ثقل التكاليف عن عاتقه ، ويقضي حقّ الطبيعة البدنيّة من حظّ اللذّة ، ومتى سنح له عارض رغبة حيوانيّة ، وجب عليه تناوله من أيّ وجوهه ، وعليه الّا ينقاد إلى ما تُخيِّله له أوهام الحلال والحرام ، واللائق وغير اللائق . . . لبئس ما سوّلت لهم أنفسهم - نعوذ باللَّه - فتلك أُمور وضعيّة - في زعمهم - تقيّد بها الناس جهلًا ، فلا ينبغي لابن الطبيعة أن يجعل لها من نفسه محلّاً . ولما امتنعت عليهم نفوس أهل الحياء من الأُمّة ، فلم تأخذ منها وساوسهم ، وجدوا تلك الصفة الكريمة سدّاً دون طلبتهم ، فانصبّوا عليها يقصدون محوها من الأنفس ، وأعلنوا أنّ الحياء ضعف في النفس - على ما تقدّم - وزعموا أنّ من الواجب على طالب الكمال أن يكسر مقاطر [ 1 ] العادات ، ويحمل نفسه على ارتكاب ما يستنكره الناس حتّى ، يعود من يسهل عليه أن يأتي كلّ قبيح بدون انفعال نفسيّ ، ولا يجد أدنى خجل في المجاهرة بأيّة هجينة كانت . ثمّ تقدّم الأبيقوريّون إلى العمل بما يرشدون إليه فهتكوا حجاب الحياء ، ومزّقوا ستاره ، وأَراقوا ماء الوجه الإنسانيّ المكرّم ، فاستحلّوا التناول من مال الناس بغير إذن ، وكانوا متى رأوا مائدة اقتحموا عليها ، سواء طُلبوا أو لم يُطلبوا ، حتّى سمّاهم القوم بالكلاب . . . فإذا رأوهم رموهم بالعظام المعروفة ، ومع ذلك لم تتنازل هذه الكلاب الإنسيّة عن دعوى الحكمة ، ولم يردعها رادع الزجر عن شيء من شرورها ، وكانت تنبح في الأسواق منادية : المال مشاع بين الكلّ ، وتهجم على الناس من كلّ ناحية ، وهذا سبب شهرتهم بالكلبيّين . فلمّا ضربت أفكار الدهريّين في نفوس اليونان ، بسعي الأبيقوريّين ، ونشبت بعقولهم ، سقطت مداركهم إلى حضيض البلاد ، وكسد سوق العلم والحكمة ، وتبدّل شرف أنفسهم بالذُّلّ واللُّؤم ، وتحوّلت أمانتهم إلى الخيانة ، وانقلب الوقار
هامش
[ 1 ] جمع مقطرة : وهي خشبة فيها خروق بقدر أرجل المحبوسين .