فإن كان هذا شأن تلك القوانين الجائرة ، فعلى الإنسان أن يفكّ أغلالها من عنقه ، ويطرح كلّ قيد عقدته القوانين والشرائع والآداب ، التي لا واضع لها سوى العقل الإنسانيّ الناقص ، وليرجع إلى سُنّة الطبيعة المقدّسة ، ويقضي حق شهوته من اللذائذ التي أباحتها له بأيّ الوجوه ، ومن أيّة الطرق ، ويأخذ في ذلك مأخذ البهائم ، وعليه أن يقاوم الغاصبين المتحكّمين في الحقوق قسراً - أي المالكين للأموال والأبضاع - فيخرجهم عن سوء فعالهم من الغصب والجور ؛ أيّ حقّ التملّك ! فلمّا ذاعت هذه النزعات الخبيثة بين الأُمّة الفارسيّة ، تهتّك الحياء وفشا الغدر والخيانة ، وغلبت الدناءة والنذالة ، واستولى حكم الصفات البهيميّة على نفوسهم ، وفسدت أخلاقهم ، ورذلت طباعهم . نعم ، إنّ « أنو شروان » قتل « مزدك » وجماعة من شيعته ، ولكنّه لم يستطع محو هذه الأوهام الفاسدة بعد ما علقت بالعقول ، والتبست نفايتها بالأفكار ، فكان علّة في ضعفهم ، حتى إذا هاجمهم العرب لم تكن إلّا حملة واحدة فانهزموا ، مع أنّ الروم - وهم أقران الفارسيّين - ثبتوا في مجالدة العرب ومقاتلتهم أزماناً طويلة . الأُمّة الإسلاميّةالأُمّة الإسلاميّة جاءتها الشريعة المحمّديّة السماويّة ، فأشربت قلوبها تلك العقائد الجليلة ، ومكّنت في نفوسها تلك الصفات الفاضلة ، وشمل ذلك آحادهم ، ورسخت بينهم تلك الأُصول الستّة ؛ بدرجة يقصر القلم دون التعبير عنها . فكان من شأنهم ، أن بسطوا سلطانهم على رؤوس الأُمم ؛ من جبال الألب إلى جدار الصين في قرن واحد ، وحثّوا تراب المذلّة على رؤوس الأكاسرة والقياصرة ، مع أنهم لم يكونوا إلّا شِرْذِمة قليلة العُدّة ، نزرة العدد ، ولم ينالوا هذه البسطة في الملك والسطوة في السلطان ، إلّا بما حازوا من العقائد الصحيحة والصفات الكريمة ، هذا إلى ما جذبه مغناطيس فضائلهم من مائة مليون ، دخلوا في دينهم في
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 169
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٦٩