تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
وقفت النفوس عن الحركة إلى معالي الأُمور ، وأغمضت العقول عن كشف أسرار الكائنات ، واكتناه حقائق الموجودات ، وكان الإنسان في معيشته على مثال البهائم البرّيّة إن أمكن له ذلك ، وهيهات هيهات . مسالكهم في طلب غاياتهم‌سلكوا مخالج من الطرق لبثّ أوهامهم الفاسدة ، فكانوا إذا سكنوا إلى جانب أمنٍ ، جهروا بمقاصدهم بصريح المقال ، وإذا أزعجتهم سطوة العدل أخذوا طريق الرمز والإشارة ، وكنَّوا عمّا يقصدون ، ولوّحوا إلى ما يطلبون ، ومشوا بين الناس مشية التدليس . وتارةً كانوا يحملون على أركان القصر المسدّس ليصدعوها بجملتها في آنٍ واحد ، وأُخرى كانوا يعمدون إلى بعضها إذا رأوا قوّة المانع دون سائرها ، فيجعلون ما قصدوا منها مرمى أنظارهم ، ويكدحون لهدمه بما استطاعوا من حول وقوّة ، وقد تلجئهم الضرورة إلى البعد عن الأركان الستّة بأسرها ، فلا يأتون بما يمسّها مباشرة ، ولكنهم يدأبون لإبطال لوازمها ، أو ملزوماتها ؛ ليعود ذلك بإبطالها . وقد يكتفون بإنكار الصانع - جلّ شأنه - وجحد عقائد الثواب والعقاب ، ويجهدون لإفساد عقائد المؤمنين ، علماً منهم بأن فساد هاتين العقيدتين - الإعتقاد باللَّه ، والاعتقاد بالثواب والعقاب - لا محالة يُفضي إلى مقاصدهم ويؤدّي إلى نتيجة أفكارهم . وكثيراً مّا سكتوا عن ذكر المبادئ ، وسقطوا على ذات المقصد ، وهو « الإباحة والاشتراك » ، وأخذوا في تحسينه وتزيينه ، واستمالة النفوس إليه ، وقد يزيدون على الدعوة الإقناعيّة بأي وجوهها عملًا جاهليّاً تأنف منه الطباع ، وتأباه شرائع الإنسانية وذلك أن يأخذوا معارضيهم بالغدر والإغتيال ، فكثيراً ما فتكوا بآلاف من الأرواح البريئة ، وأراقوا سيولًا من الدماء الشريفة ، بطرق من الحيل ، وضروب من الختل .