تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
ضرر مذاهب المادّيّين‌متى ظهر المادّيّون في أُمّة ، نفذت وساوسهم في صدور الأشرار من تلك الأُمّة ، واستهوت عقول الخبثاء الذين لا يهمّهم إلّا تحصيل شهواتهم ونيل لذّاتهم من أيّ وجه كان ؛ لموافقة هذه الآراء الفاسدة لأهوائهم الخبيثة ، فيميلون معهم إلى ترويج المشرب المادّيّ ، وإذاعته بين العامة غير ناظرين إلى ما يكون من أثره . ومن الناس من لا يساهم في آرائهم ، ولا يضرب في طرقهم ، إلّاأنّه لا يسلم من مضارّها ومفاسدها ، فإنّ الوهن يُلمّ بأركان عقائده ، والفساد يسري لأخلاقه من حيث لا يشعر ؛ حيث إنّ أغلب الناس مقلّدون في عقائدهم ، منقادون للعادة في أخلاقهم ، وأقلّ التشكيك ، وأدنى الشبهة ، يكفي علّة لزعزعة قواعد التقليد وضعضعة قوائم العادة . وإنّ هؤلاء المادّيّين - بما يقذفون بين الناس من أباطيلهم - يبذرون في النفوس بذور المفاسد ، فلا تلبث أن تنمو في تراب الغفلة ، فتكون ضريعاً وزقّوماً [ 1 ] . ولهذا قد يعمّ الفساد أفراد الأُمة التي تظهر فيها هذه الطائفة ، وكلٌّ لا يدري من أيّ باب دمر الفساد على قلبه ، فتشيع بينهم الخيانة ، والغدر ، والكذب والنفاق ، ويهتكون حجاب الحياء ، وتصدر عنهم شنائع تنكرها الفطرة البشريّة ، يأتون ما يأتون من تلك القبائح مجاهرة بلا تحرّج ، وكلٌّ منهم وإن كان يدّعي بلسانه أنّه مؤمن بيوم الجزاء ، وفي نفسه أنّ ذلك اعتقاده واعتقاد آبائه ، إلّاأنّ عمله عمل من يعتقد ألّا حياة بعد هذه الحياة ؛ لسريان عقائد المادّيّين إلى قلبه ، وهو في غفلة عن نفسه ، فلهذا تغلب عليهم الأثَرَة ، وهي إفراط الشخص في حبّه لنفسه ، إلى حدّ أنه لو عرضت في طريق منفعته مضرّة كلّ العالم ، لطلب تلك المنفعة وإن حاق الضرر بمن سواه ، ومن لوازم هذه الصفة أنّ صاحبها يؤثر منفعته الخاصّة على المنافع
هامش
[ 1 ] الضَّريع : يبيس الشِّبْرِق ، وهو نبات حجازيّ يؤكل وله شوك وله زهرة حمراء ، فإذا يبس سُمّي ضريعاً ، والزَّقُّوم : كلّ طعام يقتل ، وهو طعام كريه لأهل النار .