لأهلكتهم حوادث الجوّ ، وأعوزهم القوت الضروري ، والصنائع المحتاج إليها تختلف أصنافها ، وتتفاوت درجاتها ، فمنها الخسيس ، والشريف ، ومنها السهل ، ومنها الصعب . وهذه الطائفة النيتشريّة تسعى لتقرير الاشتراك في المشتهيات ، ومحو حدود الامتياز ، ودرْس [ 1 ] رسوم الاختصاص ؛ حتى لا يعلو أحد عن أحد ، ولا يرتفع شخص عن غيره في شيء ما ، ويعيش الناس كافّة على حدّ التساوي ؛ لا يتفاوتون في حظوظهم ، فإن ظفرت هذه الطائفة بنجاح في سعيها هذا ، ولاق [ 2 ] هذا الفكر الخبيث بعقول البشر ، مالت النفوس إلى الأخذ بالأسهل ، فلا تجد من يتجشّم مشاقّ الأعمال الصعبة ، ولا من يتعاطى الحِرَف الخسيسة ؛ طلباً للمساواة في الرفعة ، فإن حصل ذلك ، إختلّ نظام المعيشة ، وتعطّلت المعاملات ، وبطلت المبادلات ، وأفضى إلى تدهور هذا النوع في هُوّة الهلاك . نعم ، إنّ أفكار المصابين « بالماليخوليا » لا تُنتج أحسن من هذه النتيجة . ولو فرضنا محالًا ، وعاش بنو الإنسان على هذه الطريقة العوجاء ، فلا ريب أن تُمحى جميع المحاسن ، وضروب الزينة ، وفنون الجمال العملي ، ولا يكون لبهاء الفكر الإنسانيّ أثر ، ويفقد الإنسان كلّ كمال ظاهر أو باطن ، صوريّ أو معنويّ ، ويعطّل من حَلْي الصنائع ، وتغرب عنه أنوار العلم والمعرفة ، ويصبح في ظلام جَهْلٍ ، وبلاء أزْل [ 3 ] ، وينقلب كرسيّ مجده ، وينثلّ [ 4 ] عرش شرفه ، ويُصْحِر [ 5 ] في بادية الوحشيّة كسائر أنواع الحيوان ، ليقضي فيها أجلًا قصيراً مُفعماً بضروب الشقاء ، محاطاً بأنواع من المخاوف ، محشوّاً بأخلاط من الأوجال والأهوال ، فإنّ المبدأ الحقيقي لمزايا الإنسان إنّما هو حبّ الاختصاص ، والرغبة في الامتياز ، فهما الحاملان على المنافسة ، السائقان إلى المباراة والمسابقة ، فلو سُلِبَتْهما أفرادُ الإنسان
هامش
[ 1 ] أي محو الاختصاص والفروق بين الأفراد .
[ 2 ] لاق بعقول البشر : أي ناسبهم وأعجبهم وأحبّوه ولصق بعقولهم وثبت .
[ 3 ] الأزْل - بفتح الهمزة وسكون الزاي - الضيق والشدّة والحبس ، وبكسر الهمزة : الداهية .
[ 4 ] يسقط وينهدم .
[ 5 ] أصحر : خرج إلى الصحراء .