تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
وقد ظهر : أنّ من أُصول مذاهب هذه الطائفة إبطال تلك العقيدة ، ومحو هذه الملكة الكريمة ، فيكون تأثير آرائهم في إذاعة الخيانة وترويج الكذب ، أشدّ من تأثير دعوة داعٍ إلى نفس الخيانة والكذب ، فإنّ منشأ الفضيلتين ما دام في النفس أثر منه ، يبعثها على مقاومة الداعي إلى الرذيلتين ، فيضعف أثر دعوته ، والمؤمّن بالجزاء ، المبرقع بالحياء ، إن سقط في الخيانة أو الكذب مرّة ، وجد من نفسه زاجراً عنهما مرّة أُخرى ، أمّا لو مُحي الإيمان والحياء - وهما منشأ الصدق والأمانة - من لوح النفس ، فلا يبقى منها وازع عن ارتكاب ضدّيهما . ويزيد في شناعة ما ذهبوا اليه ، أنّ في أُصولهم الإباحة والاشتراك المطلقين ، فيزعمون أنّ جميع المشتهيات حقّ شائع ، والاختصاص بشيء منها يعدّ إغتصاباً ، كما سيذكر ، فلم يبق للخيانة محلّ ، فإنّ الاحتيال لنيل الحقّ لا يعدّ خيانة ، ومثلها الكذب ، فإنه يكون وسيلة للوصول إلى حقّ مغتصب - في زعمهم - فلا يعدّ إرتكاباً للقبيح . لا جَرَمَ [ 1 ] أن آراء هذه الطائفة مروِّجة للخيانات ، باعثة على افتراء الأكاذيب ، حاملة للأنفس على ارتكاب الشرور والرذائل ، وإتيان الدنايا والخبائث . وإنّ أُمّة تفشو فيها هذه الحوالق [ 2 ] لجديرة بالفناء ، جالية عن باحة البقاء [ 3 ] ، فقد انكشف الخفاء - بما بيّنّا - عن فساد مشارب هذه الطائفة ، وعن وجه سَوقها الأُمم والشعوب إلى مهاويالهَلَكة والدّمار . وأقول : إنّها من أشدّ الأعداء للنوع الإنساني كافّة ، فإنّ ما هاج في رؤوس أبنائها من « الماليخوليا » يخيّل إليهم أنّ الإصلاح فيما يزعمون ، ويصوّر لهم حقيقة النجاح في صور ما يتوهّمون ، فيبعثهم هذا الفساد لإيقاد النار في بيت هذا النوع الضعيف ؛ ليمحو بذلك رسمه من لوح الوجود ، فإنّ من الظاهر - عند كلّ ذي إدراك - أنّ أفراد هذا النوع يحتاجون في بقائهم إلى عدّة صنائع لو لم تكن
هامش
[ 1 ] لا محالة ولا بدّ وحقاً . [ 2 ] جمع حالقة : السنة الشديدة التي تحلق كلّ شيء ، المنيّة ، القول السيّىء ، والمعنى الأخير أنسب . [ 3 ] أي خارجة عن ساحة الوجود .