تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 158

مساهمون:

ص١٥٨
إتيان القبائح ، وهوّنوا عليهم اقتراف المنكرات ، ومهّدوا لهم طرق البهيميّة ، ورفعوا عنهم معايب العدوان . ذهبوا إلى أنّه لا حياة للإنسان بعد هذه الحياة ، وأنّه لا يختلف عن النباتات الأرضيّة ؛ تنبت في الربيع - مثلًا - وتيبس في الصيف ، ثمّ تعود تراباً ، والسعيد من يستوفي في هذه الحياة حظوظه من الشهوات البهيميّة . وبهذا الرأي الفاسد أطلقوا النفوس من قيد التأثّم ، ودفعوها إلى أنواع العدوان ؛ من قتل وسلب وهتك عرض ، ويسّروا لها الغدر والخيانة ، وحملوها على فعل كلّ خبيثة ، والوقوع في كلّ رذيلة ، وأعرضوا بالعقول عن كسب الكمال البشري ، وأعدموها الرغبة في كشف الحقائق ، وتعرّف أسرار الطبيعة . هذا الوباء المهلك ، والطاعون المجتاح - أعني النيتشريّين - لا يُصيب أهل الحياء ؛ لامتناع نفوسهم عن مشاكلة البهائم ، وإبائها عن وضع أقدامها في منازل الحيوانيّة المحضة ، وأنفتها من الاشتراك في الأموال والأبضاع ، وإباحة التناول ممّا يختصّ بالغير منها . ولهذا عمد هؤلاء المفسدون إلى خَلّة الحياء ليُزيلوها أو يُضعفوها ، فقالوا : إنّ الحياء من ضعف النفس ونقصها ، فإذا قويت النفوس ، وتمّ لها كمالها ، لم يغلبها الحياء في عملٍ ما كائناً ما كان ، فمن الواجب الطبيعيّ - في زعمهمم - أن يسعى الإنسان في معالجة هذا الضعف - الحياء - ليفوز بكمال القوّة - قلّة الحياء - وبهذه الدسيسة يخلطون بين الإنسان والهَمَل [ 1 ] ، ويمزجونه بالهامجات [ 2 ] من النَّعَم ، ويوحّدون بين حاله وتصرّفه ، وبين حال الدوابّ والأنعام ، من إباحة كلّ عمل ، والاشتراك في كلّ شهوة ، ويهوّنون عليه إتيان ما تأتيه في نزواتها . ولا يخفى أنّ الأمانة والصدق منشؤهما في النفس الإنسانيّة أمران : الإيمان بيوم الجزاء ، وملكة الحياء .
هامش
[ 1 ] الهَمَل من الإبل : المتروك ليلًا ونهاراً يرعى بلا راعٍ . [ 2 ] المتروكة يموج بعضها في بعض كالغنم بلا راعٍ .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 158 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده