وشيمة الحياء هي بعينها شيمة الإباء ، وسجيّة الغيرة ، وإنما تختلف أسماؤها باختلاف جهاتها وآثارها في ردع النفس عن شيء ، أو حملها على عمل . والإباء والغيرة : هما مبعث حركات الأُمم والشعوب لاستفادة العلوم والمعارف ، وتسنّم قمم الشرف والرفعة ، وتقوية الشوكة وبسط جناح العظمة ، وتوفير موادّ الغنى والثروة . وكلّ أُمة فقدت الغيرة والإباء حرمت الترقّي ؛ وإن تسنّى لها من أسبابه ما تسنّى ، فهي تعطي الدنيّة ، ولا تأنف من الخِسّه ، وتضرب عليها الذلّة والمسكنة حتى ينقضى أجلها من الوجود . وخَلّة الحياء تنتهي إليها روابط الأُلفة بين آحاد الأُمّة في معاشراتهم ومخالطاتهم ، فإنّ حبال الأُلفة إنّما يحكمها حفظ الحقوق ، والوقوف عند الحدود ، ولا يكون ذلك إلّا بهذه الملكة الكريمة . هذه سجيّة تزيّن صاحبها بالآداب ، وتنفر به عن الشهوات البهيميّة ، وتُفيض روح الاعتدال على حركاته وسكناته وجميع أعماله . وهذا هو الخلق الفرد الذي ينهض بصاحبه لمجاراة أرباب الفضائل ، ويتجافى به عن مضاجع النقائص ، ويأنف به عن الرضا بالجهل والغباوة ، أو الضِّعة والضراعة . هذا الوصف الكريم ، هو منبت الصدق ، ومغرس الأمانة ، وهما معه في قَرَن [ 1 ] . هذا الوصف هو آلة المعلّمين والقائمين على التربية ، والدعاة لمكارم الأخلاق ، والمولعين بترقية الفضائل - صوريّة ومعنويّة - يستعملونها في نصائحهم ، يذكّرون بها الغافل ، ويحرّضون الناكل ، ويوقظون النائم ، ويقعدون القائم ؛ ألا ترى المعلّم الحكيم كيف يعظ تلميذه بقوله : « ألا تستحي من تقدّم قرينك عليك ، وتخلّفك عنه » ؟ ! فإن لم تكن هذه الخصلة فلا أثر للتوبيخ ، ولا نفع للتقريع ، ولا نجاح
هامش
[ 1 ] القَرَن : الحبل يُقرن به البعيران ؛ أي أنّهما مقترنان به وملازمان له .