واليك الاختبار في فرض أُمّة عطّلت نفوسهم من حلية هذه الخلّة الجليلة ، فلا تجد فيها إلّاآفات جائحة ، ورزايا قاتلة ، وبلايا مهلكة وفقراً معوزاً ، وذلّا معجزاً ، ثم لا تلبث بعد هذا كله ، أن تبتلعها بلاليع العدم ، وتلتهمها أُمّهات اللَّهْم [ 1 ] . الخصلة الثالثة : الصدق : الإنسان كثير الحاجات ، غير معدود الضرورات ، وكلّ ما يسدّ حاجاته ويدفع ضروراته ، وراء ستار الخفاء محجوب ، وتحت حجاب الغيب مكنون . قذف بالانسان من غيب يجهله ، إلى ظهور لا يعرفه ، فقام في بدء نشأته في زاوية عمياء لا يذكر اسماً ، ولا يعهد رسماً . هذا الإنسان على ضعفه ، كأنّما أَحفظ الأكوانَ قبل وجوده ، فأرصدت له القتال ، وهيّأت له النضال ، فله في كلّ مثناة [ 2 ] منها كامنة بليّة ، وفي كلّ حِنْو [ 3 ] رابضة رزيّة ، وكلٌّ فَوّق سهمه في قِسِيّ الأدوار الزمنيّة ليصيب مقاتل الإنسان . مُنح الإنسان خمسة مشاعر : السمع ، والبصر ، والذوق ، واللمس ، والشمّ ، ولكن لا غناء بها في هدايته لأقرب حاجاته ، وإرشاده لدفع ما خفّ من ضروراته ، فأحجى ألّا كفاء لها في استطلاع مكامن البلايا واكتشاق مخابئ الرزايا ، ليأخذ حذره ، ويحرز أمره ، فهو في حاجة - كلّ الحاجة - للاستعانة بمشاعر أمثاله ، من بني جنسه ، والاستهداء بمعارفهم ؛ ليتفادى بهدايتهم من بعض لاسعات المصائب ، ويصيب من الرزق ما فيه قوام معيشته ، وسداد عَوَزه ، والاستهداء إنّما يكون بالاستخبار ، ولا تتمّ فائدة الخبر في الهداية ، إلّا أن يكون من مصدر صدق ، يحدّث عن موجود ، ويحكي عن مشهود ، وإلّا فما الهداية في خبر لا واقع له ؟ !
هامش
[ 1 ] أُمّ اللُّهَيْم : كنية الموت ؛ لأنه يلتهم كلّ أحد ، أو الداهية .
[ 2 ] الطيّ والالتواء .
[ 3 ] أي في كلّ جانب .