ذلك أنه بهذا الاعتقاد يرى أبناء قومه أليق وأجدر بكلّ ما يعد شرفاً إنسانيّاً ، فإن جادت صروف الدهر على قومه فأضرعتهم [ 1 ] أو ثلمت مجدهم ، أو سلبتهم مزيّة من مزايا الفضل ، لم تستقرّ له راحة ، ولم تفتأ له حميّة ، ولم يسكن له جَيَشان ، فهو يُمضي حياته في علاج ما ألمّ بقومه حتّى يأسوه ، أو يموت في أساه . فهذه العقيدة أقوى دافع للأُمم إلى التسابق لغايات المدنيّة ، وامضى الأسباب بها إلى طلب العلوم ، والتوسّع في الفنون ، والإبداع في الصنائع ، وإنّها لأبلغ في سَوقِ الأُمم إلى منازل العلاء ، ومقاوم الشرف ، من غالب قاسر ، ومستبدّ قاهر عادل . وإن أردت فالمحْ بعقلك حال قوم فقدوا هذا اليقين . . ماذا تجد من فتور في حركات آحادهم نحو المعالي ؟ وماذا ترى من قصور في هممهم عن درك الفضائل ؟ وماذا ينزل بقواهم من الضعف ؟ وماذا يحلّ بديارهم من الفقر والمسكنة ؟ وإلى أىّ هُوّة يسقطون من الذلّة والهوان ، خصوصاً إذا بغى عليهم الجهل ، فظنّوا انهم أدنى من سائر الملل ، كطائفة « الدهير » و « مانك » ؟ العقيدة الثالثة : ومن مقتضيات الجزم بأنّ الإنسان ما ورد هذا العالم إلّا ليتزوّد منه كمالًا يعرج به إلى عالم أرفع ، ويحلّ به إلى دار أوسع ، وجناب أمرع ؛ ليمرع واديه وتجنى حلبه . إنّ من أُشربت هذه العقيدةُ قلبَه ، ينبعث بحكمها وينساق بحاديها لإضاءة عقله بالعلوم الحقّة ، والمعارف الصافية ؛ خشية أن يهبط به الجهل إلى نقص يحول دون مطلبه ، ثمّ ينصرف همّه لإبراز ما أودع فيه من القوّة السامية ، والمدارك العقليّة ، والخواصّ الجليلة ، وأستعمالها فيما خُلقت له ، فيتجلّى كماله من عالم السكون إلى عالم الظهور ، ويرتقي من درجة القوّة إلى مكانة الفعل ، فهو ينفق ساعاته في
هامش
[ 1 ] من الضراعة ، وهي الاستكانة والمسكنة والذلّة .