تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
ومنهم أهل جباية الأموال ، يحصلون من الرعايا ما فرضت عليهم الحكومة من خراج ، مع مراعاة قانونها في ذلك ، ثمّ يستحفظون ما يحصلون في خزائن المملكة ، وهي خزائن الرعايا في الحقيقة ، وإن كانت مفاتيحها بأيدي خزنتها . ومنهم من يتولّى صرف هذه الأموال في المنافع العامّة للرعيّة مع مراعاة الاقتصاد والحكمة ، كإنشاء المدارس والمكاتب ، وتمهيد الطرق وبناء القناطر ، وإقامة الجسور ، وإعداد المستشفيات ، ويؤدّي أرزاق سائر العاملين في شؤون الحكومة ؛ من الحرّاس والحفظة وقضاة العدل وغيرهم حسبما عُيّن لهم . وهذه الطبقات من رجال الحكومة الوالين على أعمالها ، إنّما تؤدّي كلّ طبقة منها عملها المنوط بها بحكم « الأمانة » ، فإن خربت أمانة أولئك الرجال - وهم أركان الدولة - سقط بناء السلطة ، وسلب الأمن ، وزاحت [ 1 ] الراحة من بين الرعايا كافّة ، وضاعت حقوق المحكومين ، وفشا فيهم القتل والتناهب ، ووعرت طرق التجارة ، وتفتّحت عليهم أبواب الفقر والفاقة ، وخوت خزائن الحكومة ، وعميت على الدولة سُبُل النجاح ، فإن حَزَبَها [ 2 ] امر سُدّت عليها نوافذ النجاة . ولا ريب أنّ قوماً يساسون بحكومة خائنة ، إمّا أن ينقرضوا بالفساد ، وإمّا أن يأخذهم جبروت أُمة أجنبيّة عنهم ، يسومونهم خَسْفاً [ 3 ] ، ويستبدّون فيهم عَسْفاً [ 4 ] ، فيذوقون من مرارة العبوديّة ما هو أشدّ من مرارة الانقراض والزوال . ومن الظاهر أنّ إستعلاء قوم على آخرين ، انما يكون باتحاد آحاد العالين ، والتئام بعضهم ببعض ، حتى يكون كل منهم لبنية قومه كالعضو للبدن ، ولن يكون هذا الاتحاد ، حتى تكون الأمانة قد ملكت قيادهم ، وعمت بالحكم أفرادهم . فقد كشف الحق أن الأمانة دعامة بقاء الانسان ، ومستقر أساس الحكومات ، وباسط ظلال الامن والراحة ، ورافع أبنية العز والسلطان وروح العدالة وجسدها ، ولا يكون شيء من ذلك بدونها .
هامش
[ 1 ] زالت وتباعدت وذهبت . [ 2 ] اشتدّ عليها . [ 3 ] الخسْف : الذُّلّ والنقيصة . [ 4 ] العَسْف : الظُّلم والجَوْر .