تهذيب نفسه وتطهيرها من دنس الرذائل ، ولا يناله التقصير في تقويم ملكاته النفسيّة ، وينزع لكسب المال من الوجوه المشروعة ، متنكّباً طريق الخيانة ، ووسائل الكذب والحيلة ، معرضاً عن أبواب الرشوة ، مترفّعاً عن الملق الكلْبي ، والخداع الثعلبي ، ثمّ يُنفق ما كسب في الوجه الذي يليق ، وعلى الوجه الذي ينبغي ، وبالقدر الذي ينبغي ، لا يأتي فيه باطلًا ، ولا يغفل حقاً عامّاً أو خاصّاً . فهذه العقيدة أحكم مرشد وأهدى قائد للإنسان إلى المدنيّة الثابتة ، المؤسّسة على المعارف الحقّة ، والأخلاق الفاضلة ، وهذا الاعتقاد أشدّ ركن لقوام الهيئة الاجتماعيّة ، التي لا عماد لها إلّا معرفة كلّ واحد حقوقه وحقوق غيره عليه ، والقيام على صراط العدل المستقيم . هذا الاعتقاد أنجح الذرائع لتوثيق الروابط بين الأُمم ؛ إذ لا عقد لها إلا مراعاة الصدق ، والخضوع لسلطان العدل ؛ في الوقوف عند حدود المعاملات . هذا الاعتقاد نفحة من روح الرحمة الأزليّة ، تهبّ على القلوب ببرد السكون والمسالمة ، فإنّ المسالمة ثمرة العدل والمحبّة ، والعدل والمحبّة زَهْر الاخلاق والسجايا الحسنة ، وهي غِراس تلك العقيدة التي تحيد بصاحبها عن مضارب الشرور ، وتنجيه من متائه الشقاء ، وتعاسة الجَدّ ، وترفعه إلى غُرف المدينة الفاضلة ، وتجلسه على كرسيّ السعادة . وقد يسهل عليك أن تتخيّل جيلًا من الناس حرم هذه العقيدة ، فكم يبدو لك فيه من شقاق ، وكذب ونفاق ، وحيل وخداع ، ورشوة واختلاس . وكم يغشى نظرك من مشاهد الحرص والشره ، والغدر والاغتيال وهضم الحقوق والجدال والجلاد . وكم تحسّ من جفاء للعلم ، وعشوة عن نور المعرفة .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 150
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٥٠