والثيران البرّيّة في حالتها ، ومضاربة البهائم السائمة ، والدوابّ الهاملة ، والهوامّ الراشحة لا تستطيع دفع مضرّة ، ولا التقيّة من عادية ، ولا تهتدي طريقاً لحفظ حياتها ، وتقضي آجالها في دهشة الفزع ووحشة الانفراد . هذه العقيدة أشدّ زجراً لأبناء الإنسان من التقاطع المؤدّي لافتراس بعضهم بعضاً ، كما يقع بين الأُسود الكاسرة ، والوحوش الضّارية ، والكلاب العاقرة ، وأشدّ مانع يدفع صاحبها عن مشاكلة الحيوانات في خسائس الصفات ، وهذه العقيدة أحجى حادٍ للفكر [ 1 ] في حركاته ، وانجح داعٍ للعقل في استعمال قوّته ، وأقوى فاعل في تهذيب النفوس وتطهيرها من دنس الرذائل . إن شئت فارم بنظر العقل إلى قوم لا يعتقدون هذا الاعتقاد ، بل يظنّون أنّ الإنسان حيوان ، كسائر الحيوانات ، ثمّ تبصّر ماذا يصدر عنهم من ضروب الدنايا والرذائل ، وإلى أيّ حدّ تصل بهم الشرور ، وبأيّ منزلة من الدناءة تكون نفوسهم ، وكيف أنّ السقوط إلى الحيوانيّة يقف بعقولهم عن الحركات الفكريّة . العقيدة الثانية : ومن خواصّ يقين الأُمة بأنّها أشرف الأُمم ، وجميع من يخالفها على الباطل ، أن ينهض آحادها لمكاثرة الأُمم في مفاخرها ، ومساماتها في مجدها ، ومسابقتها في شرائف الأُمور ، وفضائل الصفات ، وأن يتّفق جميعها على الرغبة في فوت جميع الأُمم ، والتقدّم عليها في المزايا الإنسانيّة ، عقليّة كانت أو نفسيّة ، ومعاشيّة كانت أو معاديّة . وتأبى نفس كلّ واحد عن إعطاء الدنيّة ، والرضا بالضيم لنفسه ، أو لأحد من بني أُمّته ، ولا يسرّه أن يرى شيئاً من العزّة أو مقاماً من الشرف لقوم من الأقوام ، حتّى يطلب لأُمّته أفضله وأعلاه .
هامش
[ 1 ] أي : أخلق وأجدر سائق للفكر .