تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
العقيدة الثانية : يقين كلّ ذي دين بأنّ أُمته أشرف الأُمم ، وكلّ مخالف له فعلى ضلال وباطل . العقيدة الثالثة : جزمه بأنّ الإنسان إنّما ورد هذه الحياة الدنيا ؛ لاستحصال كمال يهيّئه للعروج إلى عالم أرفع وأوسع من هذا العالم الدنيوي ، والانتقال به من دار ضيّقة الساحات كثيرة المكروهات ، جديرة بأن تسمّى « بيت الأحزان وقرار الآلام » إلى دار فسيحة الساحات ، خالية من المؤلمات ، لا تنقضي سعادتها ، ولا تنتهي مُدّتها . ولا يغفل العاقل عمّا يتبع هذه العقائد الثلاث من الآثار الجليلة في الاجتماع البشري ، والمنافع الجمّة في المدنيّة الصحيحة ، وما يعود منها بالاصلاح على روابط الأُمم ، وما لكلّ واحدة من الدَّخْل في بقاء النوع ، والميل بأفراده لأن يعيش كلٌّ منهم مع الآخر بالمسالمة والموادعة ، والأخذ بهمم الأُمم للصعود في مراقي الكمال النفسي والعقلي . لكلّ عقيدة لوازم وخواص‌ّالعقيدة الأُولىمن البيّن أنّ لكلّ عقيدة لوازم وخواصّ لا تزايلها ، فما يلزم الاعتقاد بأنّ الإنسان أشرف المخلوقات يرفع المعتقد - بحكم الضرورة - عن الخصال البهيميّة ، واستنكافه عن ملابسة الصفات الحيوانيّة ، ولا ريب أنّه كلّما قوي هذا الاعتقاد ، اشتدّ به النفور من مخالطة الحيوانات في صفاتها ، وكلّما اشتدّ هذا النفور سما بروحه إلى العالم العقلي ، وكلّما سما عقله أوفى على المدنيّة ، وأخذ منها بأوفر الحظوظ ، حتّى قد تنتهي به الحال إلى أن يكون واحداً من أهل المدنيّة ، يحيا مع إخوانه الواصلين معه إلى درجته على قواعد المحبّة ، وأُصول العدالة ، وتلك نهاية السعادة الإنسانيّة في الدنيا ، وغاية ما يسعى إليه العقلاء والحكماء فيها . فهذه العقيدة أعظم صارف للإنسان عن مضارعة الحُمُر الوحشيّة في معيشتها ،