فما رُزئت بهم أُمّة ، ولا مُني بشرّهم جيل ، إلّاانتكث فتله ، وسقط عرشه ، وتبدّدت آحاد الأُمة ، وفقدت قوام وجودها . . كان الإنسان ظلوماً جهولًا ، وخُلق الإنسان هلوعاً ، إذا مسّه الشرّ جزوعاً ، وإذا مسّه الخير منوعاً . . . جُبل الإنسان على الحرص ، وكأنّه منهوم لشرب الدماء ، لم يحرم الإنسان من لطف مبدعة ، فكما أبدعه ألزم الدين وجوده ، فتمسّك الناس منه بأُصول ، وانطبعوا به على خصال ، توارثها الأبناء عن الآباء في قرون بعد قرون . ومهما غيّروا وبدّلوا كانت بقايا ما ورثوه لا تزال تشرق على عقولهم بأنوار من المعرفة ، يهتدون بها إلى سعادتهم ويُقيمون في ضوئها أساس مدنيّتهم ، ولم يبطل أثرها في تعديل أخلاقهم ، وكفّ أيديهم عن التطاول إلى الشرور والمفاسد ، وبهذا كان للأقدمين من أهل القرون الأُولى ، ما كان لهم من نوع الثبات والبقاء . وطائفة النيتشريّة كلّما ظهرت في أُمّة سعت في قلع تلك الأُصول ، وإفساد تلك الخصال ، حتّى إذا لمع لها بارق من النجاح ، وهت أركان الامّة ، وانهارت إلى هوان [ 1 ] الاضمحلال والعدم . وهذه الطائفة هي الآن - كما كانت - تسلك منهج أسلافها الأوّلين ، وإنّا نوضّح ذلك بمجمل من البيان . ما أفاد الدين من العقائد والخصالأكسب الدينُ عقولَ البشر ثلاثَ عقائد ، وأودع نفوسهم ثلاث خصال ، كلٌّ منها ركن لوجود الأُمم ، وعماد لبناء هيئتها الاجتماعيّة ، وأساس محكم لمدنيّتها ، وفي كلٍّ منها سائق يحثّ الشعوب والقبائل على التقدّم لغايات الكمال ، والرقيّ إلى ذُرى السعادة ، وفي كلّ واحدة وازع قويّ يباعد النفوس عن الشرّ ، ويردعها عن مقارفة الفساد ، ويصدّها عن مقاربة ما يبيدها ويبدّدها . العقيدة الأولى : التصديق بأنّ الإنسان مَلَك أرضيّ ، وهو أشرف المخلوقات .
هامش
[ 1 ] في الأصل : هوات .