أوّلًا : يلزمهم أنّ كلّ جزء ديمقراطيسيّ يحتوي على أبعاد غير متناهية ، وهو في صغره لا يُدرَك ولا بالميكروسكوب « النظارة المعظمة » . وبيان اللزوم : أنّ العلم عندهم ، إنّما هو بارتسام الصور المعلومة في ذات العالم ، وهو مادّيّ في موضوعنا ، فكلّ صورة معلومة تأخذ منه بُعداً بمقدارها ، والصور العلميّة على هذا الزعم غير متناهية ، وكلّها يرتسم في مادّة الجزء العالم ، فيكون في كلّ جزء - وهو متناهٍ إلى غاية الصِّغر - أبعاد غير متناهية للصور غير المتناهية ، وهذا ممّا تُبطله بداهة العقل . ثانياً : إن كانت الأجزاء الديمقراطيسيّة بالغة من العلم هذا المبلغ ، وهي من القوّة على نحوه ؛ إذ لا قوّة إلّا بها على رأيهم ، فلماذا لم تبلغ الكائنات وهي غاية ما يمكن لها من الكمال ؟ ولِمَ تُنزل بذواتها الآلام والأوصاب ، ثمّ تعاني العناء في احتمالها أو التخلّص منها ؟ ولماذا قصر إدراك الإنسان ، وإدراك سائر الحيوانات - وهو عين إدراك هذه الأجزاء على هذا المذهب - عن اكتناه حالها أنفسها ، وعجز عن حفظ حياتها ؟ وأعجب من هذا أنّ المتأخّرين من المادّيّين بعد ما صافحوا كلّ خرافة لتأييد مذهبهم ، حاصوا [ 1 ] إلى الحيرة في بعض الأُمور فلم يستطيعوا تطبيقها على أصل من أُصولهم الفاسدة ؛ لا أصل الطبع ، ولا أصل الشعور ، وذلك عندما رأوا شيئين يختلفان في الخواصّ ، وعناصر هما تظهر عند التحليل متماثلة ، ولم يجدوا المحيص عن الوقفة - بعد ما قدّموا من الترهات - إلّا بالحكم على الأجزاء الديمقراطيسيّة رجماً بالغيب ، بأنّها ذوات أشكال مختلفة ، وعلى حسب الاختلاف في الأشكال والأوضاع كان الاختلاف في الآثار والخواصّ . وبالجملة : فهذه عشرة مذاهب اختلف إليها منكرو الأُلوهيّة ، الزاعمون ألّا وجود للصانع الأقدس ، وهم المعروفون بين شيعهم أو عند الإلهيّين بالطبيعيّين ، والمادّييّن ، والدهريّين ، وإن شئت قلت : نيتشريّين ، وناتوراليسميّين ، وماتيرياليسميّين .
هامش
[ 1 ] حاص عن كذا : حاد وعدل عنه . يقولون « من حاص عن الشر سلم » ، و « وقع في حيص بيص » ؛ أي في مشكل لا مخرج منه .