تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
ولما ظهر لجماعة من متأخّري المادّيّين فساد ما تمسّك به أسلافهم ، نبذوا آراءهم وأخذوا طريقاً جديدة ، فقالوا : ليس من الممكن أن تكون المادّة العارية من الشعور ، مصدراً لهذا النظام المتقن ، والهيئة البديعة والأشكال المعجبة ، والصور الأنيقة ، وغير ذلك ممّا خفي سرّه وظهر أثره ، ولكن العلّة في نظام الكون عُلويّة وسُفليّة ، والموجب لاختلاف الصور والمقدّر لأشكالها وأطوارها ، وما يلزم لبقائها ، تتركّب من ثلاثة أشياء : « متيير » ، و « فورس » ، و « انتليجانس » ؛ أي مادّة ، وقوّة ، وإدراك . وظنّوا أنّ المادّة بما لها من القوّة ، وما يلابسها من الإدراك ، تجلّت وتتجلّى بهذه الاشكال والهيئات ، وعندما تظهر بصورة الأجساد الحيّة - نباتيّه كانت أو حيوانيّة - تُراعي بما لابسها من الشعور ، ما يلزم لبقاء الشخص وحفظ النوع ، فتنشئ لها من الأعضاء والآلات ما يفي بأداء الوظائف الشخصيّة والنوعيّة ، مع الالتفات إلى الأزمنة والأمكنة ، والفصول السنويّة . هذا نفس ما وجدوا من حيلة لمذهبهم العاطل ، بعد ما دخلوا ألف جُحْر ، وخرجوا من ألف نفق ، وما هو بأقرب إلى العقل من سائر أوهامهم ، ولا هو بالمنطبق على سائر أحوالهم ، فإنّهم يرون - كسائر المتأخّرين - أنّ الأجسام مركّبه من الأجزاء الديمقراطيسيّة ، ولا ينطبق رأيهم الجديد في علّة النظام الكوني على رأيهم في تركيب الأجسام . وذلك لأنه يلزم على القول بشعور المادّة ، أن يكون لكلّ جزء ديمقراطيسيّ [ 1 ] شعور خاصّ ، كما يلزم أن تكون له قوّة خاصّة ينفصل بها عن سائر الأجزاء ؛ إذ لا يمكن قيام العَرَض الواحد - وحدة شخصيّة - بمحلّين ، فلا يقوم علم واحد بجزءين ولا بأجزاء ، وبعد هذا فإنّي أُسائلهم : كيف اطلّع كلّ جزء من أجزاء المادّة - مع انفصالها - على مقاصد سائر الأجزاء ؟ وبأيّة آلة أفهم كلٌّ منها باقيها ما ينويه من مطلبه ؟ وأيّ برلمان « مجلس الشورى » ، أو أيّ سنات « مجلس الشيوخ » عقدت
هامش
[ 1 ] ديمقراطيس : فيلسوف يونانيّ ( 460 - 357 ق . م ) ، اشتهر باسم الفيلسوف الضاحك ، وإليه يسند أوّل قول : بأنّ حدوث العالم مصدره مجموعة ذرّات - لا نهاية لعددها - تتحرّك تحرّكاً أبديّاً في فضاء لاحدّ له ، وأنّ المادّة مجموعة ذرات ، وأنّ كلّ شيء حدث عرضاً . . . !