للتشاور في إبداع هذه المكوّنات العالية التركيب ، البديعة التأليف ؟ ! وأنّى لهذه الأجزاء أن تعلم - وهي في بيضة العصفور - ضرورة ظهورها في هيئة طير يأكل الحبوب ، فمن الواجب أن يكون له منقار وحوصلة لحاجته في حياته إليها ؟ ! وإذا كانت في بيض الشاهين والعقاب ، فمن أين لها العلم بأنّها تقوم طيراً يأكل اللّحوم ، فلا بدّ له من منسر ومخلب يصول بهما في الصيد ؛ لاقتناص ما يحتاج إليه من حيوان ، ثم ينسر لحمه ليأكله ؟ ! ومن أين لها أن تعلم ، وهي في مشيمة الكلبة ، أنّها ستكون على صورة أُنثى الجرو ، ثمّ تكبر حتى تبلغ حدّ الإدراك ، ثمّ تكون حبلى لوقت من الأوقات ، وقد تلد جراء متعدّدة في زمن واحد ، فهي تهيئ لطبيها [ 1 ] حلمات كثيرة على حسب حاجة جرائها ؟ ! ومن لهذه الأجزاء المتبدّدة أن تُدرك حاجة الحيوانات إلى القلب والرّئة ، والمخّ والمخيخ ، وسائر الأعضاء والجوارح ؟ ! لو عقلت هذه الطائفة ما رمى إليه سؤالي هذا لارتكست [ 2 ] في أفكارها ، وانقلبت إلى تيهور من الحيرة ، لا ترفع منه رأساً ، ولا تحير جواباً ، إلى أن يتخبّطهم شيطان الجهل ، فيقولون ولا يعون : إنّ لكلّ جزء من هذه الأجزاء الديمقراطيسيّة ، علماً بجميع ما كان وما يكون ، وبجميع ما في العالم من الأجزاء ، عُلويّاً كان أو سفليّاً ، ولكلًّ منها حرص على مراعاة نظام الكون وأركانه ، فيتحرّك كلّ منها للإنضمام إلى الآخر ، على وفق ما يريده من المصلحة ؛ حتى لا يقع الخلل في شيء من نظم العالم ، عاماً كان أو خاصّاً ، وبهذا قام العالم على ناموس واحد . فإن أفضت بهم العماية إلى هذا القول قلنا :
هامش
[ 1 ] الطُّبْي - بكسر الطاء وضمّها - واحد الأطْباء ، وهي حلمات الضرع ، والضرع مَدَرّ اللبن ، وهو كالثدي للإنسان ، ولعلّ الأصل : « وهي تهيّئ لضرعها حلمات » ، وهو الصحيح .
[ 2 ] ركس الشيء : قلب أوّله على آخره ، وأركسه نكسه ، وارتكس المرء أو الشيء انتكس وارتبك ، والتيهور : التيه الذي يضلّ فيه الإنسان على وزن « تنّور » .