مقتضى الحكمة ، وأبدع لكلٍّ [ 1 ] منها قوّة على حسبه ، و [ أناط ] [ 2 ] بكلّ قوّة في عضو أداء وظيفة ، وإيفاء عمل حيويّ ؛ ممّا عجز الحكماء عن إدراك سرّه ، ووقف علماء الفسيولوجيا دون الوصول إلى تحديد منافعه ؟ وكيف صارت الضرورة العمياء ، معلّماً لتلك الجراثيم ، وهادياً خبيراً لطرق جميع الكمالات الصوريّة والمعنويّة ؟ لا ريب أنه يقبع قبوع القنفذ ، وينتكس بين أمواج الحيرة يدفعه ريب ، ويتلقّاهُ شكّ ، وإلى أبد الآبدين . * * * وكأنّي بهذا المسكين ما [ 3 ] رماه في مجاهل الأوهام ومهامة الخرافات إلّاقرب المشابهة بين القرد والإنسان ، وكأنّ ما أخذ به من الشُّبه الواهية أُلْهية يشغل بها نفسه عن آلام الحيرة ، وحسرات العماية ، وإنّا نورد شيئاً ممّا تمسّك به : فمن ذلك أنّ الخيل في سيبيريا وبلاد الروسية أطول وأغزر شعراً من الخيل المتولّدة في البلاد العربيّة ، وإنّما علّة ذلك الضرورة وعدمها . ونقول : إنّ السبب فيما ذكرهُ هو عين السبب لكثرة النبات وقلّته في بقعة واحدة ، لوقتين مختلفين ، حسب كثرة الأمطار وقلّتها ، ووفور المياه ونزورها ، أو هو علّة النحافة ودقّة العود ، في سكان البلاد الحارّة ، والضخامة والسمن في أهل البلاد الباردة بما يعتري البدن من كثرة التحلّل في الحرارة ، وقلّته في البرودة . ومن واهياته ما كان يرويه « داروين » : من أنّ جماعة كانوا يقطعون أذناب كلابهم ، فلمّا واظبوا على عملهم هذا قروناً ، صارت الكلاب تولد بلا أذناب ، كأنه يقول : حيث لم تعد للذَّنَب حاجة كفّت الطبيعة عن هبته . . . وهل صُمّت أُذُن هذا المسكين عن سماع خبر العبرانيّين والعرب ، ومما يجرونه من الختان أُلوفاً من السنين ، ولا يولد مولود حتّى يُختن ، وإلى الآن لم يولد واحد منهم مختوناً إلّالإعجاز ؟ !
هامش
[ 1 ] في الأصل : وإبداع كلّ .
[ 2 ] في الأصل : ونوطها .
[ 3 ] في الأصل : وما .