تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
وسائر الزنوج ، ومن هناك عرج بعض أفراده إلى أُفُق أعلى وأرفع من أُفق الزنجيّين ، فكان الإنسان القوقاسي . وعلى زعم « داروين » هذا يمكن أن يصير البرغوث فيلًا بمرور القرون وكرّ الدهور ، وأن ينقلب الفيل برغوثاً كذلك . فإن سئل « داروين » عن الأشجار القائمة على غابات الهند ، والنباتات المتولّدة فيها من أزمان بعيدة لايحدّدها التاريخ إلّا ظنّاً ، وأُصولها تضرب في بقعة واحدة ، وفروعها تذهب في هواء واحد ، وعروقها تُسقى بماء واحد ، فما السبب في اختلاف كلٍّ منها عن الآخر في بنيته وشكل أوراقه ، وطوله وقصره ، وضخامته ورقّته ، وزهره وثمره ، وطعمه ورائحته ، وعمره ؟ فأيّ فاعل خارجيّ أثّر فيها ، حتى خالف بينها مع وحدة المكان والماء والهواء ؟ أظنّ [ أن ] لا سبيل إلى الجواب سوى العجز عنه . . وإن قيل له : هذه أسماك بحيرة « أُورال » وبحر « كسين » مع تشاركها في المأكل والمشرب ، وتسابقها في ميدان واحد ، نرى فيها اختلافاً نوعيّاً ، وتبايناً بعيداً في الألوان ، والأشكال والأعمال ، فما السبب في هذا التباين والتفاوت ؟ لا أراه يلجأ في الجواب إلّا إلى الحَصَر [ 1 ] . . وهكذا لو عرضت عليه الحيوانات المختلفة البنى - جمع بنية - والصور والقوى والخواصّ ، وهي تعيش في منطقة واحدة ، ولا تسلم حياتها في سائر المناطق ، أو الحشرات المتباينة في الخِلْقة ، المتباعدة التركيب ، المتولّدة في بقعة واحدة ، ولا طاقة لها على قطع المسافات البعيدة لتجلو إلى « تربة » تخالف تربتها ، فماذا تكون حجّته في علّة اختلافها ، كأنّها تكون كسفاً لا كشفاً ؟ بل إذا قيل له : أيّ هادٍ هدى تلك الجراثيم في نقصها وخِداجها [ 2 ] ؟ وأيّ مرشد أرشدها إلى استتمام هذه الجوارح والأعضاء الظاهرة والباطنة ووضعها على
هامش
[ 1 ] الحَصَر - بتحريك الحاء والصاد - العجز عن البرهان والكلام . [ 2 ] الخداج النقصان أيضاً ، وأخدج الشيء نقص .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 139 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده