تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
ورأس القائلين بهذا القول « ديمقراطيس » ، ومن رأيه أنّ العالم أجمع أرضيّات وسماويّات ، مؤلّف من أجزاء صغار صلبة متحرّكة بالطبع ، ومن حركتها هذه ظهرت أشكال الأجسام وهيئاتها بقضاء العماية المطلقة . وذهب فريق آخر إلى أنّ الأجرام السماويّة ، والكرة الأرضيّة ، كانت على هيئتها هذه من أزل الآزال ، ولا تزال ، ولا ابتداء لسلسلة النباتات والحيوانات . وزعموا أنّ في كلّ بذرة نباتاً مندمجاً فيها ، وفي كلّ نبات بذرة كامنة ، ثمّ في هذه البذرة الكامنة نبات ، وفيه بذرة ، إلى غير نهاية . وعلى هذا زعموا أنّ في كلّ جرثومة من جراثيم الحيوانات حيواناً تامّ التركيب ، وفي كلّ حيوان كامن في الجرثومة ، جرثومة أُخرى ، يذهب كذلك إلى غير نهاية . . . ! وغفل أصحاب هذا الزعم عمّا يلزمه من وجود مقادير غير متناهية ، في مقدار متناهٍ ، وهو من المحالات الأوّليّة . وزعم فريق ثالث : أنّ سلسلة النباتات والحيوانات قديمة بالنوع ، كما أنّ الأجرام العُلويّة وهيئاتها قديمة بالشخص ، ولكن لا شيء من جزئيّات الجراثيم الحيوانيّة والبذور النباتيّة بقديم ، وإنّما كلّ جرثومة وبذرة هي بمنزلة قالب يتكوّن فيه ما يشاكله من جرثومة وبذرة أُخرى . وفاتتهم ملاحظة أنّ كثيراً من الحيوانات الناقصة الخلقة ، قد يتولّد عنها حيوان تامّ الخلقة ، كذلك الحيوان التامّ الخلقة ، قد يتولّد عنه ناقصها أو زائدها . ومال جماعة منهم إلى الإبهام في البيان ، فقالوا : إنّ أنواع النباتات والحيوانات تقلّبت في أطوار ، وتبدّلت عليها صور مختلفة بمرور الزمن وكرّ الدهور ، حتّى وصلت إلى هيئاتها وصورها المشهودة لنا ، وأوّل النازعين إلى هذا الرأي « أبيقور » [ 1 ] أحد أتباع « ديوجينس الكلبي » [ 2 ] ومن مزاعمه : أنّ الإنسان في بعض
هامش
[ 1 ] أبيقور : هو الذي وضع أُصول مذهب اللذّة والسرور ، وهدفه الاستمتاع بلذّة الحياة . وقد ولد سنة 342 قبل الميلاد ، وتُوفّي سنة 270 قبل الميلاد . [ 2 ] ديوجينس « 412 - 323 ق . م » : كان يقاوم العادات ، ويحتقر اللياقات الاجتماعيّة ، ولذلك سمى بالكلبي .