تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
يلتبس عليه الحال الواحد ؛ لا يدري يطبقه على أيّ أصل من الأُصول الثابتة عنده ، أليس هذا جهلًا بنفس الأصل ؛ حيث لم يقف على نوع جزئيّاته ؟ ! لكنّه بعد التطبيق وظهور العاقبة الحميدة يجد من نفسه أنّه فُتح له باب جديد من العلم ، وكذلك إن حدث منه أثر رديء ، فهذا الارتباك الأوّل والرّشاد الثاني شاهدان على نقص الإدراك قبل تمكّن الملكة النفسيّة والأعمال التعويديّة ، وكمالِهِ بعد تمكّنهما . ومن هذا القبيل أحوال كثير من الناس يزعمون أنّهم يعتقدون شيئاً ، ويعلمونه حق العلم ، بل ويدافعون عنه ، ولكنّهم يعملون على خلاف ما يقتضيه ، مع زعمهم التيقّن بأنّ النجاة في اتّباعه ، والهلاك في العدول عنه ، وقد تبيّن أنهم في الحقيقة لا يعلمون . الإدراك الراسخ في النفس الذي يكون هيئة ثابتة لها ، وملكة تصدر عنه الأفعال بدنيّة كانت أو فكريّة لها أثر واقعيّ ، لا مجرّد الأثر التصوّري ، هو المعروف في الاصطلاح بالاعتقاد ؛ لأنّه بانطباعه في جوهر الروح المدرك كأنّه عقد في النفس بحيث يعسر انحلاله وزواله ، والنفس بكثرة مزاولته وتكرار انفعالها به قد اعتقدته وارتبطت به ، وما عدا ذلك هو المخيّل والموهوم يحوك في النفس ، وتظهر صورته فيها عند عروض مذكّراته ، وموجبات انفعال النفس به ، فإذا هبّ الروح لحركته الذاتية بورود الموجب ، رأيت المعتقد قد احتوى على الروح ، فتحرّك به وتوجّه إلى وجهته ، وزال ذلك الموهوم كأنّ لم يكن ، وإنّما مثل الموهوم في النفس مع المعتقد ، كمثل جسم غريب حلّ في شكل الشعلة المخروطي ، فأثّر في انحرافه عن المخروطيّة ، فإذا قويت الشعلة حتّى أحرقته عادت إلى تمام الشكل ، ولا يحصل انحراف الشكل إلّا عند عروض عارض آخر ، فالصور الاعتقاديّة في الروح تكون كالأشكال الطبيعيّة ، وما دونها لا يؤثّر فيها أثراً حقيقيّاً ثابتاً ، وفي ذلك يقول نبيّنا صلّى اللَّه عليه وسلّم : « لا يزني الزاني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق وهو مؤمن » ولست أُريد تفصيل ذلك . تأمّل إلى من جلس أمام منبر الخطابة يستمع الوعظ بكلّ إنصات ، ويهزّ رأسه هزّة الهائم بجمال ما يسمع ، وتارة يذرف الدمع من عينه لما حاك في نفسه من الانفعالات الروحيّة التي أحدثتها مذكِّرات الخطيب ، ويكون ذلك الوعظ في