الصورة الإدراكيّة ، وتغلّب على سائر الإدراكات الأُخرى ، وكان الارتسام بمطلوب أو مهروب منه ، اندفع الروح إلى الحركة - كما مرّ بك بيانه - وعن ذلك تكون الأعمال التي باستمرارها تثبت الملكات أو العادات . ويوجد علوم يسمّيها أرباب الاصطلاح علوماً ، وأرى لهم في التسمية حقّاً لأنها نوع من التأثّرات النفسيّة الإدراكيّة ، وإن كانت لا أثر لها في باب الإدراك يصحّ اعتباره إلا من وجه أنّها أشكال مؤلّفة من خواطر النفس لا غير ، وهي ما تخيّله التعاليم والألفاظ الموضوعة بإزاء معانٍ يمثّلها المعلّمون للذهن بالتمثيل والتشبيه ، ويقرّبونها إلى الجوهر الدرّاك [ 1 ] بتذكير بعض المألوفات ، فيحدث منها في المخيّلة أنواع من الأشكال بسائط ومركّبات ؛ أي يتشكّل الجوهر الدرّاك بهيئات تناسب التقريبات التعليميّة ، تحضر عنده بالتذكّر وضمّ بعض المذكورات إلى بعض ، وذلك كما يوصف للأعمى هيئة الأفلاك والكواكب وحركاتها ، ويمثّل له ذلك بكُرة الصبيان موضوعة في مستديرات كمحيط الغربال ، إلّا أنّها في السعة على نحو كذا ، وفي التدوير على كيفية كذا . . . إلى آخر الأوصاف . وكما يقرب للبخيل حقيقة الكرم وكيفية بذل الحقّ لصاحبه ومنحه لمستحقّه ، وصرف ثمرات الكسب فيما يؤثّل المجد ، ويعلي شأن الحسب وأشباه ذلك ، فإنه يتمثّل في ذهنه هيئة مركّبة من مجموع الأوصاف التي كانت بسائطها ثابتة فيه ، وإنّما التعريف أحدث هيئة اجتماعها مسمّاة باسم واحد هو « الكرم » مثلًا ، إلّاأنّها لا تجاوز المركز الإدراكي ، فهي ترتسم فيه من حيث التمثيل والتعليم ، فإن تواردت عليها الأشباه والمذكّرات من وجه التعليم والتذكّر بقيت ثابتة ، ويقال لمن هي عنده : إنّه عالم بتلك الصفة ، وقادر على تعليمها كما أخذها على النحو الذي حضرت به عنده . ومن ذلك كلّ ما يتعلّمه الشخص من القواعد العلميّة قصد أن يتعقّلها ؛ أي أن توجد في جوهر روحه صور مؤتلفة على نوع خاصّ من الائتلاف ، وترجع إلى وجهة واحدة في الجنس ، كعلم النحو وعلم العروض مثلًا ، أو فنّ الأخلاق والسياسة .
هامش
[ 1 ] في الأصل : الدرك