في جوّ شديد البرد كثير الصواعق سريع التقلب ، فلا ريب أنّ الانفعالات التي تعرض على إحساساته من هذه الأشياء المكتنفة به - وكثرة ما تدعوه إلى المقاومة والمصادمة واحتمال المصاعب في دفع المصائب ، وتجشّم المشاقّ ليتخلّص بها من المهلكات ونحو ذلك - تجعل في الأعضاء قوّة على العمل ، ثمّ ترسخ منها في النفس ملكة الشجاعة والإقدام ، وتتجه بذلك قوّة الإدراك إلى البراعة في الكرّ والفرّ ، وفنون الدفاع والهجوم ، وتثبت فيها ملكة الحذر والتيقّظ ، وملكة النشاط في السعي لطلب المعيشة ، وملكة الثبات في العزائم ، وملكة حبّ التآلف والاجتماع ؛ للتعاون على دفع المضارّ وجلب المنافع المشتركة ، وملكة القسوة والتهاون بالدماء ، وعدم الاكتراث بإتلاف النفوس وإزهاق الأرواح ، وملكة الغضب الشديد الذي يحمل صاحبه على شدّة الانتقام ، وملكة الغدر التي تتولّد دائماً من الاضطراب وعدم الاطمئنان للحوادث ، ويتبع هذه الملكات ملكات أُخرى ، ويتبع الجميع عادات وأفعال تناسبها . وهذا بخلاف ما إذا نشأ في سهولة العيش ، وخصب الأرض ، وهشاشة التربة ، وخلوّها من الغابات واستواء سطوحها ، واعتدال هوائها ، وصفاء جوّها ، وخلوّها من الحوادث المخيفة ، فإن ذلك لا يُحدث في النفس إلّا صوراً لطيفة ، تتبعها ملكة اللين والمساهلة والكرم وحسن الطاعة وسلامة النيّة والنزاهة عن الضغائن ، والبعد عن الطمع ، والرضا بالقليل ، وما يتبع ذلك من الصفات التي لا تتخلّف عن مناشئها الواقعية إلّا بالطوارئ العرضيّة التي نذكّر ها فيما بعد فانتظرها [ 1 ] .
هامش
[ 1 ] وعد الأستاذ بإتمام هذا البحث القيّم الفلسفي ، والذي نشر في خمسة أعداد من « الوقائع » المصرية ، وقد تصفّح مؤلف كتاب « تاريخ الأستاذ الإمام » السيد رشيد رضا ، سائر أعداد الوقائع المصريّة فلم يجد فيها تتمّة البحث .