ومثل هذا من يتعرّف أعمال العبادة المسيحيّة ، وهو مسلم أو بالعكس ، لا لقصد العمل ، ولكن لقصد أن يتكلّم أو يكتب ما يدلّ على تلك الأعمال وفروعها ، فالإرادة تابعة للانفعال الإدراكي بالداعية والباعث إلى الحركة ، فإن كانت الداعية مجرّد التصور وقفت عنده ، أو انضمام الترتيب والتأليف في الألفاظ والأرقام تجاوزت إلى هذه الغاية ، وهي إلى هذا الحدّ لا تفيد في حال الشخص وصفاته الحقيقيّة - التي هو بها جزء من هذا الوجود - شيئاً يعتدّ به ، وأرباب هذه الحالة يعرفون - في الاصطلاح - باللفظيّين تشبيهاً لعلومهم بأشكال الهواء والأصوات المقطّعة المسماة بالألفاظ ؛ لا أثر لها إلّابالعرض . ومن ذلك الذين يتكلّمون كثيراً بالحكم العالية والأُصول النظاميّة الجليلة ، لكنّهم في أعمالهم لا يراعون شيئاً ممّا يقولون ، وما ذلك إلّا لكون تصوّراتهم إنّما هي تأليف أشكال خيّلها لهم الممثِّلون والمقرِّبون ، فوجد لتأثّر أذهانهم بها نوع من الارتياح للطف الأشكال المؤلّفة منها في حدّ ذاتها ، فانبسطت نفوسهم لاستثباتها ، وانضمّ إلى ذلك إحساسهم بإجلال الناس لمن ينظّمها في سلك العبارات أو الأرقام ، فوجّهوا الإرادة إلى ذلك فلم ينالوا سواه . وعلى هذا المثال من يعرف قواعد النحو بالتمثيل والتقريب ، إلّا أنّه إذا قرأ لا يتذكّر شيئاً منها ، وإذا كتب جال قلمه خارجاً عن دائرتها ، وأُولئك هم المبتدئون الواقفون على عتبة التعليم ، ولا يصحّ أن يقال لهم بالحقيقة : عالمون بشيء ممّا يقولون ، ولو علم النحوي - مثلًا - قواعد النحو حقّ العلم ، أو عرف السياسي أُصول السياسة كمال المعرفة ، وانطبع بها روحه الدرّاك على النحو الذي أسلفنا ، لتبع ذلك الانفعال غايته ؛ فإنّ الغاية من الأصل المدرك التي ما وضع الأصل إلّا لها من لوازمه لا تفارقه ، فعدم تمكّنها في النفس دليل عدم تمكّن الأصل نفسه فيها ، ومتى تمكّنت الغاية انطلق الروح في الآلات العلميّة لتحصيلها ، فيعوجّ في السير ويستقيم حتى ينطبع شكل الأصل وغايته في الروح المنبثّ في كافّة الأعضاء ، فتصدر لذلك الأعمال تابعة للأصل الثابت بدون عُسر ، وهنا لك تمام العلم وكماله . أفلا يرى أنّ مدرّس السياسة عندما يقبض على زمامها لإجراء العمل بما علم
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 122
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٢٢