تخفيض شأن الدنيا وتهوين أمر الحياة ، وأنّ كلّ طويل فيها قصير ، وكلّ سرور فيها مشوب بمكدّرات وشرور ، وأن لا غنيمة فيها سوى ما يقدّمه العاقل بين يديه من طيّبات الأعمال ليكسب بها نعيماً مؤبّداً ، حتى إذا انفضّ المجلس ، وانتشر القوم لطلب الرزق ، رأيت ذلك الباكي يقترب من موارد الشهوات ، ويدنو من مساقط الدنيئات ، ويستعمل لذلك أنواع الحيل التي طبعتها في جوهر إدراكه فواعل الاحتياطات التي ألمّت به ، أو وردت عليه صورها ملمّة بغيره ، مع العجز عن افتتاح طرق الكسب من وجه يلائم مقال الواعظ ، ويتّفق مع إرشاد المرشد ، فيكون عمله على ضدّ ما يزعم اعتقاده ؛ حيث إنّ هذه الطرق لم تألف إحساساته ، ولم تنتقش في مداركه على النحو الذي يبثّ الروح في الأعضاء ، فيحرّكها على مشاكلة تلك الرسوم الجميلة . فقد وضح لنا من هذه الآثار التابعة للإدراك أنّ الصور التعليميّة التي تحضر الذاكرة دائماً أو في بعض الأحيان ، غير مصحوبة بالغاية العمليّة ، لا تعدّ في الحقيقة معتقدات ، وانما هي مخيّلات تظهر في جوهر النفس عند عروض المذكّرات فقط ، ثمّ لا يترتّب عليها أثر حقيقيّ في جوهر الروح يثبت فيه ، ولكن ينشأ عنها أعراض وقتيّة . تبيّن من هذا الذي أوردناه - من التقريبات في باب تأثير الإدراك في الإرادة - أنّه يعمّ جميع الادراكات والإرادات ، سواء كانت مطابقة للصواب ، جالبة للسعادة الحقيقية ، مانعة من الشقاء ، أو لم تكن كذلك ، وأنّ ذلك لتابع لما يصل إلى المدرك من المؤثّرات الخارجيّة ، التي تحدث فيها آثاراً تناسب هيئتها التي وصلت بها إليه ، ولم يخرج في ذلك الانفعال الإدراكي عن سائر الانفعالات الطبيعيّة إلّا من حيث الكيفيّة والنوع المخصوص ، فاختلاف العادات والملكات والأخلاق والأعمال في النوع الإنساني ، تشهد لنا - بناء على تلك المقدّمات السابقة - أنّ منشأها هو اختلاف الآثار ، الواردة على مركز الإدراك من الأكوان الطبيعيّة المكتنفة بالمدرك وعوارضها ، وهذا الاختلاف : إمّا أن يكون لتباين الحوادث ، وتخالف الطبائع الخارجة من حيث الخلقة الأصليّة والوضع الإلهي ، وإمّا أن يكون لاختلاف حالة المدركين أنفسهم في قبول التأثّرات من جهة الاستعداد المجبول عليه جوهر الإدراك .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 124
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٢٤