تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 121

مساهمون:

ص١٢١
وقد يحصل عند الشخص من ذلك شيء يسمّى بالملكة ، لكنّه ليس من نوع الملكات التي بيّنّا كيفيّة حدوثها عند النفس فيما سبق من الكلام ، وإنّما هو نوع من رسوخ تلك الصور في المدركة ؛ بحيث إذا وجد جزئيّ من الجزئيّات يرد على الذهن من الخارج ، فربّما ينتبه المدرك إلى كون هذا من نوع بعض الصور ، وليس من نوع البعض الآخر ، ويكون لصاحب هذه الملكة أنّه يولّد في عقله من هذه الانفعالات انفعالات أُخرى تحاكيها محاكاة تامّة أو غير تامّة ، ويطابق بين الأصل وما تولّد عنه كلّ ذلك في عقله ، لا يراعي فيه الانطباق على الواقع أو عدم الانطباق ، فإن لاحظ ذلك فهو على شريطة أن لا يباين الأصل الذي تلقّاه ، فهذا إنّما هو نوع من حركة الروح على مركز واحد حركات متشابهة أو متعاكسة . ومن تأمّل في المسائل الاختراعية التي استولدها بعض علماء الفنون العقليّة ، وذهبت عقولهم خلفها ، فاستحدثوا لها في أذهانهم لوازم لم يقفوا فيها عند حدّ ، تبيّن حقيقة ما قلنا ، فمثل هذا النوع من العلوم لا يؤثّر في الإرادة شيئاً سوى أنّه يحوّلها إلى إجابة الفكر فيه ، فلا يكون له همّ إلّا تأليف الأشكال العقليّة وتفريقها ، وهذا نوع من تسلّط الإرادة على الإدراك بعد تسلّطه عليها . مثلًا : الذي درس علم التهذيب لقصد الوقوف عليه ليس إلّا ، بعد أن صار كهلًا بين قوم بعيدين عن التهذّب ، وتلقّفت إحساساته من أحوالهم ما انطبع عليه روحه الدرّاك ، وسرى به في الدم والعروق ، وجرت به الأعمال العضويّة ، ومرنت عليه حتّى صارت في النفس ملكة وللبدن عادة ، وحفظ جميع ماحوته الكتب الشهيرة في هذا الفنّ ، فإنّ قواعد الفنّ وصور أُصوله تكون جاثمة في مركز الإدراك ، وأشكالها ثابتة فيه ، لكنها حيث لم تقترن بغاية هذا التحصيل ، وهو العمل ، وإنّما كان القصد مجرّد العلم حتى يمكنه أن يعلّمه ويلقيه كما تلقّاه ، فإنّ العقل والنفس يقفان به عند هذا الحدّ فقط ، فإذا انضمّ إلى ذلك غايته ، وهي أن يقدر على تأليف جمل منه وفصول يعبّر عنها باللسان أو بالكتابة ، تحرّك الروح في لسانه ، وتضامّت الأشكال في مخيّلته على الترتيب الذي يريد في عقله ، فيتمكّن من ذلك بالتعويد حتى يصير هذا النوع من العمل ملكة له ، وتكون الإرادة تابعة للإدراك هذا النوع من التبعيّة .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 121 | سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني / الشيخ محمد عبده