أمّا الوجه الثاني - أعني اختلاف الآثار لاختلاف الاستعداد الممنوح بأصل الخلقة لجوهر الادراك - فهو يأتي من حيث التركيب الجسماني ، والعناصر الداخلة فيه ، والوضع الذي أبدعته يد القدرة الإلهيّة عليه ، فعناصر التركيب البدني وجودتها ورداءتها ووضعها فيه ، وكيفية تأليف الأعضاء ، ونِسَب الأجزاء بعضها لبعض ، مما له دَخْل في ظهور الجوهر الإدراكي بآثاره ، وبعبارة أُخرى : في شدّة انفعاله بالمؤثّرات الواردة عليه وضعفه ، وفي قوّة استثبات الصور المنفعل بها ، وضعف تلك القوّة ، وغير ذلك من صفات الإدراك التي لا تخفى على مدرك ، وهذا الدخل ممّا لا يشكّ فيه . وأما الوجه الأوّل - أعني اختلاف الآثار بواسطة تباين الحوادث ، وتخالف الطبائع الخارجة عن ذات المدرك - فهو يظهر من اختلاف العادات والأخلاق والإدراكات باختلاف الأقطار والبقاع ، وتنوّعها بتنوّع أحوال التربة والجوّ الذي تنشأ وتنمو فيه ، ويمتاز بعضها عن بعض بتميّز حالة التعيّش ، وطرق اكتساب الرزق ، ووقاية الوجود من الخطر ، والإحساس من الألم ، التي تستدعيها طبيعة الأراضي ، فالذي يقتضيه كسب الرزق الضروري لحفظ الحياة من طريق الصيد البرّي ، وتدعو إليه المحاماة عن النفس بمدافعة الوحوش الكاسرة والسباع الضارية ، أو يبعث إليه التأثّر من شدّة البرد ، ويبوسة المنشأ ، وجدب المكان ، كلّ ذلك غير ذلك الذي يقتضيه كسب الرزق من طريق الزراعة ، والفرار من المهلكات بالاستكنان في بعض الأكواخ ؛ لسهولة الأرض وخلّوها من المفترسات ، وبُعدها عن المؤثّرات الجوّية الشديدة ، وتوسّطها في الحرّ والبرد ، وما يلائم ذلك من موجبات السهولة في تطلّب الأرزاق ، فإنّ تأثّر الجوهر الدرّاك بالاخطار الأُولى ، يبلغ من الشدّة مبلغاً يحدث فيه سرعة الحركة الروحيّة التي تتبعها الحركة البدنيّة على أنحاء توصّل إلى المطلوب ، أعنى التخلّص من تلك الأخطار ، وبتكرارها وكثرة تواردها على النفس تودع فيها ملكة عمليّة تصدر عنها الأعمال على ذلك النحو المتقدّم . مثلًا : إذا نشأ الإنسان في أرض جبليّة كثيرة الغور والنجد ، غزيرة الغابات ، وعرة المسالك ، قليلة الخصب ، تسكنها أنواع الحيوانات المفترسة ، ومع ذلك تكون
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 125
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١٢٥