الإنسان عنه إلّا بقاهر تشتدّ وطأته على النفس فيوصل إليها من المؤلمات أو يخيّل لها من المخوفات ما يؤثّر فيها أثراً قويّاً يلويها عن الأثر الأوّل ويقودها إلى الأثر الجديد ، ثمّ يستمرّ ذلك أزماناً - وإن شئت قلت أجيالًا - حتى تضمحلّ الهيئة الأولى ، وتثبت الهيئة الأُخرى ، ومن ذلك الحديث الشريف : « إذا سمعتم أنّ جبل كذا انتقل من مكانه فصدّقوا ، وإذا سمعتم أنّ فلاناً تحوّل عن خلقه فلا تصدّقوا » يشير بذلك إلى صعوبة الانتقال عن الأخلاق والعادات الثابتة ؛ من تلقاء النفس بدون أن يضطرّها لذلك قاسر أو زاجر ، وهيهات أن ينال المطلوب مع ذلك . وممّا يرشد إلى أنّ تكرّر الانفعال على النفس يُحدث فيها هيئات فكريّة وعمليّة ، ما حكاه عبد الوهاب ( لعلّه عبد اللطيف ) البغدادي من حوادث سنة 595 هجرية في مصر : أنّ شدّة القحط وفقد المطعومات في الديار المصريّة بذلك الوقت ، اضطرّ بعض الناس لأكل بعضٍ آخر ؛ لسدّ الرمق وإلهاء كلب الجوع ، وفشا ذلك فاستبشعته النفوس ونفرت منه ، حتّى إنّ بعض الناس انزعج لهيئة أكل الإنسان فمات من بشاعة المنظر ، ثمّ لمّا عمّ ذلك غالب الأفراد زالت البشاعة شيئاً فشيئاً ، حتّى صار من المألوفات أن يأكل الرجل أحد أقربائه ، والمرأة ابنتها أو أحد أقاربها ، وكانوا يطبخون لحم الآدمي بالتوابل والبهارات كما يطبخون لحم الحيوان . فانظر إلى الانفعال الذي حدث في النفس من غائلة الجوع ، كيف غلب على الاعتقاد وكان في غاية الاستحكام ، وانقلب القبيح حسناً ، إلّا أنّه بعد زوال العارض عاد الاعتقاد الأوّل إلى مكانه ؛ لارتفاع الضرورة ، لكن لم يعد إلى حالته الأُولى على وجه الكمال إلّا بعد أزمان . نظنّ أنّك التفتّ - فيما ألقينا إليك من المقدّمات السابقة - إلى أنّ العلم والإدراك - الذي يستولي على الإرادة - إنّما هو الانفعال بالصورة الواردة إلى الروح الدرّاك إذا قارنها الانفعال بصور الغايات اللازمة لها ، ملائمة لذي الروح أو منافرة ، ولا يتحرّك بها الروح على هيئتها الثابتة فيه منبثّاً في الأعضاء أو ماتجافى مركزه الفكري ؛ لينفعل بصور مركبّة من الانفعالات البسيطة أو المركّبة ، إلّا إذا لم يعارضها انفعال يلوي الروح إلى ضدّ الحركة التي تطلبها تلك الانفعالات ؛ إذ عند المعارضة لا يكون للهيئة الأولى تمام الثبوت والركوز في النفس ، ومتى قوي ارتسام
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 119
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١١٩