تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
الإنسان عنه إلّا بقاهر تشتدّ وطأته على النفس فيوصل إليها من المؤلمات أو يخيّل لها من المخوفات ما يؤثّر فيها أثراً قويّاً يلويها عن الأثر الأوّل ويقودها إلى الأثر الجديد ، ثمّ يستمرّ ذلك أزماناً - وإن شئت قلت أجيالًا - حتى تضمحلّ الهيئة الأولى ، وتثبت الهيئة الأُخرى ، ومن ذلك الحديث الشريف : « إذا سمعتم أنّ جبل كذا انتقل من مكانه فصدّقوا ، وإذا سمعتم أنّ فلاناً تحوّل عن خلقه فلا تصدّقوا » يشير بذلك إلى صعوبة الانتقال عن الأخلاق والعادات الثابتة ؛ من تلقاء النفس بدون أن يضطرّها لذلك قاسر أو زاجر ، وهيهات أن ينال المطلوب مع ذلك . وممّا يرشد إلى أنّ تكرّر الانفعال على النفس يُحدث فيها هيئات فكريّة وعمليّة ، ما حكاه عبد الوهاب ( لعلّه عبد اللطيف ) البغدادي من حوادث سنة 595 هجرية في مصر : أنّ شدّة القحط وفقد المطعومات في الديار المصريّة بذلك الوقت ، اضطرّ بعض الناس لأكل بعضٍ آخر ؛ لسدّ الرمق وإلهاء كلب الجوع ، وفشا ذلك فاستبشعته النفوس ونفرت منه ، حتّى إنّ بعض الناس انزعج لهيئة أكل الإنسان فمات من بشاعة المنظر ، ثمّ لمّا عمّ ذلك غالب الأفراد زالت البشاعة شيئاً فشيئاً ، حتّى صار من المألوفات أن يأكل الرجل أحد أقربائه ، والمرأة ابنتها أو أحد أقاربها ، وكانوا يطبخون لحم الآدمي بالتوابل والبهارات كما يطبخون لحم الحيوان . فانظر إلى الانفعال الذي حدث في النفس من غائلة الجوع ، كيف غلب على الاعتقاد وكان في غاية الاستحكام ، وانقلب القبيح حسناً ، إلّا أنّه بعد زوال العارض عاد الاعتقاد الأوّل إلى مكانه ؛ لارتفاع الضرورة ، لكن لم يعد إلى حالته الأُولى على وجه الكمال إلّا بعد أزمان . نظنّ أنّك التفتّ - فيما ألقينا إليك من المقدّمات السابقة - إلى أنّ العلم والإدراك - الذي يستولي على الإرادة - إنّما هو الانفعال بالصورة الواردة إلى الروح الدرّاك إذا قارنها الانفعال بصور الغايات اللازمة لها ، ملائمة لذي الروح أو منافرة ، ولا يتحرّك بها الروح على هيئتها الثابتة فيه منبثّاً في الأعضاء أو ماتجافى مركزه الفكري ؛ لينفعل بصور مركبّة من الانفعالات البسيطة أو المركّبة ، إلّا إذا لم يعارضها انفعال يلوي الروح إلى ضدّ الحركة التي تطلبها تلك الانفعالات ؛ إذ عند المعارضة لا يكون للهيئة الأولى تمام الثبوت والركوز في النفس ، ومتى قوي ارتسام