تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
وفي مبدأ الأمر لا تأتي هذه الحركات بالمطلوب على وجه السرعة ، لكن متى استحكم في الروح الأثر الأثر الباعث على هذا العمل الفكري ، استمرّت الحركة العقليّة مرّة تُحاذي الغاية ، وأُخرى تنحرف عنها ، فتحفظ للانحراف أثراً يبعدها عنه مرّة أُخرى حتّى يكون الاتّجاه إلى وجهة الطلب كطبع جِبِلّيّ فيها . وهذا إجمال في القول ربما نأتي على تفاصيله فيما بعد . ومن تأمّل حال سير الإنسان ، بل طريق ترقّيه وتدنّيه في أعماله واختلاف عاداته وأخلاقه واعتقاداته وكافّة شؤونه ، وأنّه قلّما يتّفق جيلان من الناس - بل قبيلتان ، بل فخذان - على استحسان شيء أو استقباحه ، بل إذا تنزّلنا إلى النظر في الجزئيّات ، رأينا هذا الاختلاف بين كلّ شخص وشخص حتى المولودين في بيت واحد ، هذا يستحسن شيئاً ، وذاك يستقبحه ويستهجنه ، ومن يدقّق نظره في ذلك يوافقنا على أنّ هذه الأحوال الإدراكيّة - التي تتبعها الملكات والأعمال التي نسمّيها بالعادات - إنّما منشؤها الانفعال من المؤثّرات الخارجيّة ، التي تختلف على الشخص باختلاف موقعه ، وما يحيط به من مؤثرات الطبيعة ، ومن يكتنفه من أبناء جنسه ، وما ينشأ عليه من نوع المأكل والمشرب والملبس والمسكن ، وما يطرق أُذُنه من الأصوات ساذجة ولفظيّة مستعملة ومهملة ، وما يراه من الصور والأشكال متعاقبة بعضها أثر بعض ، وما يذهب إليه إدراكه من جميع ذلك مستعقباً ومستتبعاً لوازمه ، فإنّ جميع ذلك يتشكّل به الروح المدرك ، ويكون هيئة فيه ، وما تكرّر منه ثبت شكله فيه ؛ أي انطبع الروح بطابعه ؛ أي صار الروح على ذلك الشكل ، فهو في حركته الطبيعيّة يكون على ذلك المثال ، وهو ما نعني ، من تقرّر الملكة وثبوت العادة ، وما لم يتكرّر يذهب أثره بغلبة بقيّة الأشكال عليه . ويعرف العلماء الملكة : بهيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بدون فكر ولا رويّة ، وليس مرادهم من كونها بدون فكر ولا رويّة أنها غير إراديّة بالمرّة ، أو أنّها رمي بدون رامٍ ، تارة يُخطئ ، وتارة يُصيب ، ولكن مرادهم أنّ الروح ينطبع عليها ، فالإرادة موجّهة إلى ما يكون على مثالها بدون احتياج إلى جَوَلان بين الصور وترجيح بعضها على بعض ، وبعد تمكّن الملكة في النفس وانطباع الفكر أو الأعضاء على محاذاتها في الحركة ، يكون من الصعب - بل ربما كان من المتعذّر - أن يتحوّل