تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
يجدمنها ملجأ ، فينفعل بصور منها على هيئات مختلفة انفعالًا يلائم الانفعال الأصلي ؛ أعني طلب الخلاص من الألم ، فيتحرّك للعمل فيها على غير انتظام ، ولا حالة تمام وكمال في مبدأ الأمر ، ثمّ يلجئه ركوز الفائدة المقترنة بهذه الهيئة - ولزوم الحاجة لمداومة الأعمال فيها - إلى جبر الأعضاء والآلات البدنيّة على حركات واهتزازات خاصّة - إن كانت الصناعة بدنيّة - حتى تلين تلك الأعضاء ، وتكون في غاية المطاوعة لهيئة الروح المدرك ؛ أعني أنّها تكون في حركاتها مثالًا لما ارتسم في الروح من الهيئة التي رآها أو لمسها - مثلًا - مع لازمها من الفائدة والغاية الملائمة ؛ حيث أثّر ارتسامها في الروح أثراً خاصّاً ، وبه سرى في الأعضاء على هيئة وكيفيّة خاصّة ، ويصعب أوّل الأمر أن تكون على طبق ما ارتسم من كلّ وجه ، ولكن باستحكام الأثر ومداومة العمل ، تنطبع الهيئة بتمامها في الأعضاء كما انطبعت في مركز الإدراك ، ومثل ذلك الهيئةُ المخترعة التي دعت الضرورة إلى ارتسام الذهن بها . فإن كان العمل غير بدنيّ كالإدارة والسياسة - مثلًا - من الأعمال الفكريّة ، التي لا يراد من العامل فيها سوى تأليف صور فكريّة معقولة تنطبق على الواقع ، ويمكن - بسهولة - الجرْيُ [ 1 ] على مثالها ، وهو ما نعبّر عنه - في اصطلاح الحكومة بالتنفيذ ، فملكتها إنّما تثبت في العقل ، وتنطبع في الروح ، حتّى تكون كهيئة فطريّة له - كما في سائر الملكات - بتوارد صور كثيرة مختلفة الأنواع والأشكال من صور المضارّ والمنافع والمصالح والمفاسد ثمّ يوجد عنده انفعال وتأثّر [ 2 ] بغاية وداعية تبعثه على المقارنة بين تلك الصور ، والحركة في تِطْلاب لوازمها الكامنة فيها . فإذا استحكمت هذه الغاية في النفس صيرت الروح كالبحر المائج والاشكال العلميّة أمواجه ، أو كالضياء لا ينفك عن الحركة يؤلّف بين عدد من الصور ، ثمّ يفرّق بينها ، ثمّ يجمع بين المتفرّقات في نقطة ، ولا تسكن له حركة حتّى يستقرّ في ملتقى المنافع ، وهي الصورة المنطبقة على غايته الملائمة له ؛ أي التي تأثّر وانفعل بها ، فانبعث لطلبها بحكم ذلك الانفعال .
هامش
[ 1 ] في الأصل : بالسهولة الإجراء . [ 2 ] في الأصل : وتأثير .