تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 116

مساهمون:

ص١١٦
ببال الكريم وصاحب هذه السجيّة - التي تولّدت فيه عن انتقاش نفسه بصورة فائدتها - فعلٌ لبخيل منّاع للخير ، رأيت عقله يبعد عن إدراك هذا الفعل ، ويجد من روحه انقباضاً وتعاصياً عن الانفعال به ، بل يجد جوهر عقله يطارد هذا الانفعال الذي تجلبه إحدى الحواسّ ، أو يذكّر به راوي العمل وحاكية ، فإذا كُلّف صاحب هذا الخلق بأن يعمل عمل البخلاء ، رأى من نفسه - بعد الإباءة الإدراكيّة والمصادرة العقليّة - انحطاطاً بدنيّاً وارتباطاً في الأعضاء ، حتّى كأنّه يجد عاقداً يعقد كلّ طرف بآخر ، ومانعاً يمنعه من نفسه عن تحريك عضلاته ، بل يحسّ من ذاته كأنّ القوّة المحرّكة إلى هذا العمل الخبيث ، مفقودة [ 1 ] بالكلّيّة . وهكذا يقال فيمن تعوّدت نفسه إدراك غوائل الفقر والحاجة ، وتكاثر عليها الانفعال بصورة العجز والضعف عن الكسب ، وتهيّأ جوهره الإدراكي بصورة الانخذال والانهزام من صدمات الحوادث ، فهذا الذي أحاط بإدراكه جميع المزعجات ، تراه قد رسخ في قوّته الروحيّة اشكال من هذه الانفعالات ، وانطبعت نفسه ومبادئ الحركة فيه على الميل إلى ما يلائم إدراكه الثابت ، فهذا الراسخ هو ملكة العلم بفوائد البخل والإمساك عنده ، وهذا المنطبع سجيّة البخل ، وعنهما تصدر الإرادة بالأفاعيل الناقصة التي هي عنوان هذه الملكة وتلك السجيّة ، ولئن ذكر لصاحبها طرف من أحاديث البرّ والاحسان ، وما ينشأ عنهما من الفوائد لمن تحلّى بهما ، رأيته ينفر من ذلك نفور الوحش ، ويطلب سدّ أبواب الإدراك على نفسه حتّى لا يتكدّر خاطره ويتألّم بهذه الصور الرديئة المستبشعة . [ و ] من جملة هذه الملكات التي ترتكز في جوهر النفس المدركة : ملكات الصناعة كالكتابة والإدارة والرسم والحدادة والنجارة ، وغير ذلك من أنواع الصنائع التي ترتسم في ذهن المدرك صورها الآتية إليه من إحدى الحواسّ ، مقترنة بما يلزم تلك الصنائع من الفوائد والثمرات التي يجتنيها العامل فيها ، وتارةً لا تأتي إليه صورة الصناعة من طرق الحاسّة ، ولكن يضطرّه الإحساس المؤلم العارض له من الموثّرات الجوّية إلى طلب الخلاص منه ، فيندفع إلى التأمّل في الموجودات المحيطة به لعلّه
هامش
[ 1 ] في الأصل : فاقدة .