الملكات والعاداتإنّ هذا الجوهر الروحاني المتعلّق بأبداننا الذييتأثّر من كلّ واصل إليه ، وينفعل أشكالًا من الانفعال لكلّ متّصل به ، يأخذ - بتوارد أنواع التأثّرات - هيئات مخصوصة تثبت فيه ، مستتبعة لوازمها حتى تصير كأنّها من أصل خلقته لكثرة ما وردت عليه ، وهي التي نسمّيها ملكات إدراكية وعلوماً ثابتة في النفس لا تزايلها ، ويتبعها السجايا والطبائع والأخلاق النفسانيّة ، الملائمة لتلك الملكات الإدراكية ، ويلزمها الأفاعيل البدنيّة المعبّر عنها بالعادات . فليست الأخلاق والعادات إلّا توابع ومستلزمات للعلم والإدراك ، الذي هو أثر في جوهر الروح يتبعه الأثر الفعلي ، فن عرض للنفس مؤثّر ، أو وقف على أبواب الإدراك وارد غريب عن ملكاتها السابقة ، وبعيد عن الهيئات الإدراكية التي أخذ الجوهر شكلها ، عَسُر على الذهن إدراكه ، وتعسّر على النفس فهمه ، ومانعت الأعضاء البدنيّة أثره ، فهذه الأخلاق والملكات ناشئة عن كثرة توارد الانفعال النفسي الإدراكي من نوع واحد ، حتى صارت هيئة للنفس تصدر عنها الأفعال الجزئيّة الملائمة لها ، كلّما عرض عليها أثر جزئي من نوع الهيئة الكلّية ، فسجيّة الكرم - مثلًا - ثبتت في نفس الكريم ؛ لكثرة انفعال عقله وإدراكه بصور الغايات الشريفة التي تتبع الكرم ، والفوائد الجليلة التي يكتسبها باذل المال ، أو باذل الهمّة في سدّ حاجات المحتاجين ، فبتكرار هذه الصور والإدراكات على العقل ، وصدور الأثر الإرادي عنها ، وطول الزمن على ذلك ، تمكّنت في النفس هيئة مخصوصة إدراكية ، وهي اليقين - الذي خالط الروح - بأنّ الكرم جميل مفيد ، ويتبعها انطباع النفس بالأمر [ 1 ] التامّ لحركة الإعطاء ، وإيصال الخير إلى من يحتاج إليه ، فإذا أُخطِر
هامش
[ 1 ] في الأصل : بالنهي .