هو ظهور الأثر الإدراكي في الروح ، فيكون حاصل القول : أنّ المتّصل بالروح أثّر فيها أثراً - وهو العلم - أوجب حركتها في أجزاء البدن ، فكان عنها حركة البدن نفسها . وإن شئت قلت : تشكّل الروح - وهو في الاجزاء - بشكل ما اتّصل به ، فظهر ذلك الشكل بعينه في الأعضاء بالحركة الفعليّة ، وهذا ما يقول العلماء : « إنّ الإرادة تنزُّل العلم ، والفعل تنزُّل الإرادة » ، ومعناه : أنّ حقيقة الأثر واحدة ظهرت في الأشياء المتعدّدة بمظاهر مختلفة . وقد يكون تأثير الإدراك في أعضاء البدن وأجزائه - والموادّ التي يتركب منها - خارجاً عن الطور الذي نسمّيه بالإرادة ، وذلك كفعله في الدم عندما ينتقش بصورة فعل منافر ، وفي الإمكان دفعة ، فيفور الدم ويغلي وينتشر في جميع العروق ، ويدور فيها دورة غير اعتياديّة ، فإذا اشتدّت الدورة تحرّك البدن إلى الإيقاع بمن صدر عنه الفعل غير الملائم ، وهذه هي الحالة التي نسمّيها حالة الغضب ، فإنّ تأثير الأمر المُغضِب في الدم ليس في حدّ الإرادة والاختيار ، وإن كان التحرّك للإيقاع واقعاً تحت الإرادة ، لكن ربّما إذا أمعنّا النظر نجده خارجاً عنها ، وإنّما نعدّه داخلًا تحتها عندما نلاحظ أنّ عندنا أثراً علميّاً آخر يدافع طلب الانتقام ، ويردّ النفس عنه ، وهو صورة عاقبة الفعل الانتقامي وما يخشى من خطرها ، فلوجود هذا الأثر عند الغضب نحسب الحركة الغضبيّة حركة إرادية ، وإلّا فالغضبان يحسّ من نفسه أنّه مغلوب لإدراكه . ومثل ذلك تصوّر العاشق وصْل المعشوق ، فإنّه يفعل في الدم حركة وفي القلب خفقاناً ، خصوصاً إذا كان المعشوق بمرأىً منه وبمشهد من أعماله ، ويتبع ذلك ارتعاد خفيف في الأعصاب والأربطة البدنية ربما يُفضي إلى الرعشة ، وليس هذا التأثّر داخلًا تحت الإرادة ولا هو منها في شيء ، ولكن قد يتبعه فعل إرادي مثل الفعل الذي يتبع الغضب ، وإنّما يعتبر الفعل إراديّاً ما إذا كان ناشئاً عن إدراك آخر ؛ سواء كانت المنازعة على وجه المدافعة أو المقابلة ، ومرادنا من المقابلة تصوّر الشيء وضدّه ، وترجيح غايته على غاية الضدّ ، كتفضيل الحياة على الموت عند تصوّرهما .
رسائل في الفلسفة والعرفان — صفحة 113
مساهمون: سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني
ص١١٣